رئيس التحرير: عادل صبري 07:37 صباحاً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

خالد سعيد: غزة بين ملحمتي بنت جبيل والشجاعية!

خالد سعيد: غزة بين ملحمتي بنت جبيل والشجاعية!

بقلم: خالد سعيد 26 يوليو 2014 22:11

من بين الأهداف الرئيسية للحرب الصهيونية الغاشمة والدائرة على قطاع غزة حالياً، هو العمل، وبقوة، على " إسقاط حماس سياسياً وعسكرياً "، وهو بالمناسبة كان الهدف الأساسي للحرب الصهيونية على غزة، في العام 2008 – 2009، والمعروفة بـ " الرصاص المصبوب "!

منذ يومين فقط، اندفعت وسائل الإعلام الإسرائيلية الصادرة باللغة العبرية، للتأكيد على أن إسقاط حماس، عسكرياً وسياسياً، هو الهدف الأسمى للكيان الصهيوني في حربه على الأهالي الفلسطينيين في القطاع، وذلك ما عبّر عنه نتانياهو نفسه، غير مرة، من أن تحقيق الأهداف لا تأتي بضربة واحدة، وإنما على ضربات متوالية، وكأنه يقول إن العمليات العسكرية الصهيونية السابقة، بداية من الرصاص المصبوب ونهاية بالحرب الدائرة، الجرف الصامد، مروراً بعملية عمود عنان، بدأت وانتهت لهدف واحد وهو إجهاض فكرة المقاومة المشروعة لدى الفلسطينيين، والعمل، وبقوة، على إسقاط حركة المقاومة الإسلامية ( حماس )!

أذكر أني نشرت كتاباً عن الحرب الصهيونية الأولى على القطاع، وهي حرب الرصاص المصبوب، أو الرصاص المذاب، ( 27 ديسمبر 2008 – 18 يناير 2009 )، في يناير من العام 2010، وكان من أهدافها الرئيسية، آنذاك، كما سجلتُ من كتابات وسائل الإعلام الصهيونية هو العمل على إسقاط المقاومة المشروعة، والممثلة، بشكل خاص، في حركة حماس، باعتبارها رأس الحربة في غزة، ولم تنجح المقاتلات الصهيونية وأحدث الأسلحة العالمية في وأد فكرة المقاومة لدى الفلسطينيين ككل، ولا في كسر إرادة حماس واستمرارها للقتال ضد المحتل الصهيوني، ولكن زادتهم جميعهم قوة وإصراراً على استكمال ما بدأوه، وها نحن نعاود الكَرة، مرة ثانية، بالتأكيد على أن ما يجرى من حرب صهيونية غاشمة ستنتهي بدون تحقيق بنوك الأهداف الخاصة بها، والممثلة في كسر إرادة المقاومة، والإجهاز على حماس، وما يجري على أرض الواقع يؤكد ذلك!

" يوسي يهوشع " الكاتب السياسي بصحيفة " يديعوت أحرونوت " العبرية، كتب قبل يومين، أن بسالة المقاتلين الفلسطينيين في قطاع غزة، وخاصة حي الشجاعية يذكرهم بمعركة بنت جبيل اللبنانية، التي جرت وقائعها في الحرب الصهيونية الثانية على لبنان، صيف 2006، وسقط فيها العشرات من ضباط وجنود الجيش الصهيوني، في عملية برية فشلت قبل أن تبدأ، وها هي عملية الشجاعية تسجل فشلاً ذريعاً للجيش " الأكثر أخلاقية في العالم "، و " الأقوى قوة وعتاداً في المنطقة"! ليتبين، من جديد، أن هذا الجيش مجرد بالونة طالما قوبل بمقاومة وبسالة سيلقي الهزائم الواحدة، تلو الأخرى، فقد سقط في تلك العملية الأخيرة وحدها ( عملية الشجاعية ) 13 ضابطاً وجندياً صهيونياً، ناهيك عن إصابة بالغة لقائد لواء جولاني، ليسجل المقاتلون في الشجاعية إنجازاً فريداً من نوعه، فبعد حصار اقتصادي يمتد منذ سنوات طويلة ، وتجويع مستمر للشعب الفلسطيني في القطاع، وإمكانات وموارد تكاد تكون محصلتها صفر، ينجح الفلسطينيون في تلقين الدروس للجيش الصهيوني، وكأننا أمام نملة تحارب فيلاً "  !!

حماس تمكنت بإمكاناتها المحدودة والضعيفة من الإجهاز على قوة لواء جولاني في حي الشجاعية، بعدما تمكنت بقواتها المجهزة، نفسياً ومعنوياً، والتي تساندها قوات إضافية من فصائل فلسطينية أخرى ( الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية، وفتح، وغيرهم من المستقلين ) بعدما نجحوا جميعهم في مفاجئة القوات الصهيونية بأساليب قتالية في مناطق مزدحمة بالسكان، وبصواريخ مضادة للدبابات من نوع " كورنيت " الروسية المتطورة، ووصول الصواريخ الفلسطينية إلى قلب تل أبيب، وكأننا نكرر تجربة ملحمة " بنت جبيل " اللبنانية، مرة أخرى، وربما تكون الأنجع والأفضل منها، خاصة في ظل الظروف القاسية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، حالياً.

لم ولن تتحقق بنوك الأهداف الصهيونية من الحرب على قطاع غزة، والتي أكدتها وسائل الإعلام الصهيونية نفسها، والممثلة في تحقيق الهدوء من جانب القطاع، ووقف إطلاق صواريخ المقاومة الفلسطينية المنطلقة من القطاع، أيضاً، ووقف الأنفاق، فكان بديهياً أن تتهكم تلك الوسائل من عدم تحقيق أي هدف واحد، حتى اللحظة، وكأن الكيان الصهيوني أمام نتيجة مقاربة لنتائج حرب لبنان الثانية، صيف 2006، أمام حزب الله، حينما غرق هذا الكيان في الوحل اللبناني، وانتصر الحزب سياسياً ومعنوياً، ولم نندهش من تعليق هيئة تحرير صحيفة " هاآرتس "، حينما أشارت إلى أن رمال غزة الناعمة التي سهَّلت على حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى حفر الأنفاق، ستبدو كرمال متحركة لجنود الجيش الصهيوني، ناهيك عن أن " نَفَس " الصهاينة قصير جداً في حروبهم مع العرب! ولا ننسى أن الصواريخ الفلسطينية المحلية الصنع وصلت إلى أقصى الشمال الفلسطيني المحتل، في مدينتي الخضيرة وحيفا، وسبقهما في تل أبيب والقدس، ومدينة ديمونا، التي تحتضن مفاعل ديمونا النووي، وهو ما لم يحدث من قبل، طوال عقود الصراع العربي ـ الصهيوني، فضلاً عن وجود آلاف الصواريخ الفلسطينية التي لا تزال في جعبة حماس وغيرها من الفصائل، وهو إنجاز يُسجل للفلسطينيين ككل!

الغريب أن الصحيفة الصهيونية رأت أن حرب "الجرف الصامد " التي بدأت، في الثامن من الشهر الجاري لم تبدأ حقيقة في هذا التاريخ، ولن تنتهي بعد أسبوع أو أسبوعين، لأننا أمام احتلال صهيوني مستمر للأراضي الفلسطينية، فلم تنتظر الصحيفة تحقيق انتصارات خيالية على الفلسطينيين في القطاع، ولكنها شددت على وجوب تدخل وسطاء لوقف الحرب، خاصة من الطرف المصري، وتحقيق حل دبلوماسي يمنح الغطاء الشرعي لتل أبيب أمام العالم، ويُحسن من صورتها أمام المجتمع الدولي، بأنها من أوقفت الحرب، وليس الوسطاء، مع التأكيد على عدم انزلاق الكيان الصهيوني في رمال غزة الموحلة!! 

ولو صحت الأرقام التي تتداولها المواقع الإلكترونية الفلسطينية من إسقاط المقاومة لأكثر من 52 جندياً صهيونياً، حتى كتابة هذه السطور، فإننا أمام معجزة وملحمة ربما لن تتكرر ثانية، ناهيك عن أسر جندي صهيوني " شاؤول آرون "، وكأننا بالفعل، وللمرة الثانية، أمام نملة تحارب فيلاً، وهو ما يُسجل لحماس والفصائل الفلسطينية ككل التي تقابل القوات الصهيونية بقوة وبسالة لا نظير لها، وهي بالمناسبة لا تحزن من سقوط مئات الشهداء، ولا من بتر أطراف أخوانهم وأخواتهم بالآلاف، جراء الأسلحة والقنابل الصهيونية الحديثة التي يتم تجريبها على الفلسطينيين في غزة، ولكن ما يحزنهم هو النسيان العربي والإسلامي لما يدور في غزة من مجزرة حقيقية بحق المدنيين الأبرياء، وما يشفع لنا هو استمرار بسالة الفلسطينيين وتحقيقهم لمعجزات لا يمكن مقارنتها بما حققه اللبنانيون في بنت جبيل 2006، لضآلة الإمكانات الفلسطينية، وعدم وجود ظهير إعلامي وسياسي عربيين! 

______________

باحث في الشؤون الصهيونية والترجمة من اللغة العبرية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان