رئيس التحرير: عادل صبري 01:51 مساءً | الأحد 19 أغسطس 2018 م | 07 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

غزلية إلى "ثورية" ليست هنا (4)

غزلية إلى "ثورية" ليست هنا (4)

محمد ثابت 08 مايو 2015 14:09

هي المرة الأولى التي تخونني فيها التذكارات والذاكرة معاً، وأعرف قيمة قانون "الجذب" البشري على حقيقة لم أكن أتخيلها، وأراك قدامي ومن خلفي، فيما أنت بعيدة .. بعد قطر آخر.. وتذبذب الأوطان بين بعاد واستحالة لقاء.. فهل من المعقول أن تكوني "سارية" في مهد الثورات "تونس" فيما قلبي يهتف بك:

 

ـ أيا سارية الجبل!
 

اختصرتِ "بكِ" المستحيلات السبع وجعلتها ثمانية في عينيّ.. وعلمتني إن الحياة فيها حالة رقراقة وسطى بين الحياة و ألا حياة، نجاح الثورات و فناء الثوار، كنتُ لا ألوي قبلك على جزء من الخارطة لا ينتمي إلى بلد، وأراها قطعة أرض "بدون" لا منتمية لا تستحق الحياة، لم أكن أعرف إن بقايا الأثواب "المُضفرة"..تلك التي تنثني أسفل الثوب ك"عروة" في "أسف عينيها" لم أكن أتخيل أن تتفتح يوماً، أو أن يضىء يوم القمر سنا حياة ذبلت تماماً، أو يتولد حلم بنجاح ثورة بعدما سلط العسكر أسلحتهم على ثوارها، كان الشاطىء يتآكل ..بفعل العادة، فعل مثلما فعل البشر، دارى آلاماً لا تطاق صغيراً، واحتمل "بجاحات" الأشرار إذ يحكمون بلاده، يتحكمون في الجنوب منها، يوقدون نيران الجنون في السبعينيات، كنت أيا "ياسمينة ثورية"، وقتها في علم الغيب، وكان يقتات التيّه .. وبقي الأخير لديه ذكرى، ومرة بعد مرة.. كان يغني آلام فرقة الأب أمام "صبايا" لا يعرفهن في شوارع "بني غازي"، و"بني مزار" و"بني مر" .. ودون أن يعرفن لماذا يغني؟!.. الثانوية العامة المدرسة الوحيدة في بلدي كانت تعرف تيّهي، بل إنني لا أبالغ إذا قلتُ إنني انتظرتك ..متزامنة مع "حركة" أو "انتفاضة" منذ نهايات الثمانينيات، وتمنيتُ أن تكوني ابنة لبلدتي الجنوبية تزهرين مع "سوسنة وردة" صغيرة ملونة لا تحرم نفسها من اللون البنفسجي، وتتدثر بالغرور لدى أعتابي، وأفضي لها بسر الفقد والجنون، منذ ذلك الحين تعودتُ التطلع في العيون من حولي بحثاً عن ملمح آخاذ يشي بإن "بسمة ما" تفهمني، لم أكن أحب من افترار ثغر أنثى.. اي أنثى .. لم أكن الشرّه لما يحب الزملاء من الزميلات في ليل "منفلوط" أو "سرت" و"حمص" كنتُ ابحث عن ندى صدر مدينة بالفعل أبتسم وأنا داخل إلى أعتابها، كنتُ أتوهم إن مدينة في الكون يمكن الابتسام في "خلائها" قبل حدودها .. عقب انتفاضة أو حركة .. أو "سمها" ثورة مباشرة!
 

لستُ نرجسي الفكرة، وإن كنتُ أحب لزهرة ثورتي، وأول عهد بلادي بالثورات أن تكون نرجسية فيما يخصني، لستُ نرجسياً .. ولكني عنك أبحث منذ ثلاثة وثلاثين عاماً، عمر ابتعاد أبي عن عالمي، دموع "متشحات بالسواد" كنتُ أبذرها قبيل نومي في "الفسطاط" أو "المنيا" أو عند حدود "الخرطوم".. مع بلاد تعرف الفوسفات أو تصدر الأحزان مع "فلسطين".. كنتِ في مسامي في ليل "المدن الجامعية" أشحذ الحنان قبل العلم في بلاد ما عرفتْ استقراء العقول أو قياس نسب الذكاء ..ودفعتني للقسم الأدبي، آه لو ظهرتِ مع شمس "بغداد" في ذلك الحين، لو لم يكن الأحمق "صدام" قد عجل بأفول شمسه بضرب "إيران".. لو إنك جئتِ، أيا زهرتي الموغلة في التفتح، لو أنك جئتِ قبل أن يتدهور أكثر وضع الأمة؟!
 

استسلم الشاطىء للمساء المظلم، قاوم بعنفوان الطوار و"الكورنيش" وفي النهاية استسلم ل"ماشطات الحي" يزينه ويروحن عن هجير حياته، ويمنينه بالعمر الطويل، مساءات وحدته الطويلة أخبرته إنك اعتذرتِ دون أن تكلفي نفسك عناء إرسال ورقة بريد خاوية ..او طابعاً من "بني سويف" أو "صفاقس" أو حتى من "القمر" .. كان يراك في انعكاسه .. ويتخيل إنك مخبأة هناك .. ولكنك تستثقلين نظراً إليه ..أتم العمال بناء المتاريس في ليل عواصم الجنوب .. لديك كما لديّ، ولما تيقنتُ ب"العتمة" خفّ حار الأمواج ..واستسلمتُ إلى عادات البلاد .. وبعتُ ما تمنيتُ .. وظننتُ أن الزهور التي بلا عطر زهور!
 

أفق الحياة "المأفون" "جاد" بما أسماه القاصي والآني "ثورة" وكانت "ابو ظبي" النائية مني قريبة آنذاك .. مفآجأت كقصص آخر الزمان.. ليلي هناك أثمر أنساً والقليل من المال.. ولحظة ثورية لم تكوني فيها .. أشهدتُ "محمد عيد إبراهيم" في إحدى "حدائق النادي السياحي" وتأكيده إن أوان العودة قد جاء .. كنتُ متمهلاً أخشى بوح القلب بالفرحة قبل الموعد ثم الانكسار.. كم قالوا لي إنك متعجل "التشاؤم"؟ .. عش اللحظة وستعود "الجموع" إلى الميادين ما هُددتْ الثورة .. كان حساً خفياً لديه لا يصدق .. هل ثارت "بنزرت" كما "عدن" و"حماة" و"أسوان"؟
 

طوال عمره لا يأمن على قلبه أن تحتويه امرأة .. يرى مد البحار عنوانه، ولكنهم "غافلوه" كما غافلوا نشوة الثورات .. وفرضوا الجذر عليه.. وأخفوا مدّه بحجة "ضرورات الحياة"، وإن اقتسامه المسير مع الذين يتمنون رضاه ..أفضل من ألا "يجيئك" ما ترضاه، استسلمتُ للوسن وظننتُ إنني بلغتُ بالغ النعاس الذي غاب مع غزو دول عربية بعضها بعضاً .. وغياب شمس الحلم ..
 

ولما جئتِ على موعد يا "هاجر" كرهتُ الموعد..
 

إنه لوهم كاذب كشموسنا وظل أقمارنا .. مالدينا، أيا رقيقة، شىء صادق، المواخير ملىء بأنجاس البشر، وبيوت الدعارة ما تنتهي، وأقسام الشرطة ملىء بالقتلة، وليس كل من يرتاد مساجدنا مخلص، الكل يمور في التيه، منذ زمان قديم أقسمتُ إن الشمس تأتي من المغرب .. ولكننا اصابنا الحول!
 

لماذا يأتي الصدق مقابض الأبواب متأخراً؟ .. ظننتُك كاذبة .. وولغتُ في وصف قبح الجدران.. وعدم قدرة "فارس قديم" ترجل على مواصلة السير في طريق "رتق الروح" .. و"ترقيع بكارة الدهشة الأولى" .. كنتُ أفضل السير في الطريق بمفردي على لقائك في آخره.. ضمدتْ نفسي بمفردي، أخرجتُ الرصاصة من معطفي .. وكانت قد زرعتْ بكبدي.. طهرتُ جرحي .. واستسلمتُ لخور الثورة حتى ضبطتُ نفسي متلبساً بالخروج من "الجمع" .. كل جمع وأي جمع ..لأشارك في قانون للجذب يقول بإنك في لحظة انشغال بالك .. ترسلين فكرك .. يعبر البحر ويصل ..فيأخذي من حذر نفسي.. وتيه قلبي .. وانسداد مسام الروح..

إن انصاف الحلول .. في الحب رحلة أولى أتناولها ..كما هي أنصاف الأماني بنجاح الثورات ..

وهل من الممكن الاستسلام إلى الظلام .. إن غاب الهلال..

كنتُ أود أن أتناول فيك كتاب الغياب..

ولكن يبدو إن لقسوة الأيام بقية من دمي ترتوي!


 


 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان