رئيس التحرير: عادل صبري 09:15 مساءً | الاثنين 10 ديسمبر 2018 م | 01 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

ناقدون رُعاع، واستئسادٌ فيسبوكي

ناقدون رُعاع، واستئسادٌ فيسبوكي

ساحة الحرية

إدريس سالم

ناقدون رُعاع، واستئسادٌ فيسبوكي

بقلم: إدريس سالم 12 نوفمبر 2018 18:41

التفّاح المسموم لإهلاك المسلمين، أو الدجاجة التي تكتب اسم الله من بذور الأرز، أو حتى حمّالات الصدر التي فيها "زيت مسرطن" يراد منها سرطنة المرأة العربية.. هذه عيّنة من معجزات الشعب العربي المزعومة، والتي ما فتئ يندّد بها "أحمد مساد"، الممثّل والكوميدي الأردني الساخر، من خلال فيديوهات على قناته في اليوتيوب، والذي أعلن الحرب على المشهّرين والصفحات الوهمية والنقّاد الرُّعاع، واستطاع التأثير على عقول المتابع والمواطن.

 

هل المجتمع الكوردي يمتلك فنّ السخرية والفنّانين الساخرين، ليقنعوا المواطن الكوردي بأن أمريكا قادرة على بيع الكورد خلال ساعة واحدة، وبأن عليهم انتقاد الأحزاب الكوردية، ومحاربة القياديين الفاسدين وتجّار الحروب، وتغيير العقول المريضة، وتعديل ما في المجتمع من اعوجاج؟ هل راجع الكوردي نفسه يوماً على ما ينشره في مواقع التواصل الاجتماعي؟ وقدّم دراسة لنفسه قبل العامّة عمّا حصده من تغيير ونتائج وتأثيرات؟ لِم نحن أبطال خلف الشاشات، وجبناء أمام الرشاشات؟

 

تضاءلت أشكال وأساليب النقد البنّاء والهادف، وكادت أن تندثر بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، لما توفّره الأخيرة من تسهيلات في نشر الآراء والأفكار، دون أسس وضوابط تكفل جودة وموضوعية ومصداقية ما نراه ونقرأه ونسمعه على هذه المواقع، فمثلاً بإمكانك أن تصبح شاعراً بين ليلةٍ وضحاها، دون أن تتعب نفسك بقراءة النتاج الأدبي، ودراسة بحور الشعر، ومن السهل أن تكتسب أضواء الشهرة بكتابة منشور خاصّ بالأحداث المحيطة بك، لتغدو محلّلاً سياسياً مستأسداً، يحصد آلاف "اللايكات"، أما أحدث صيحات الموضة، والتي أنتجتها هذه العوالم الافتراضية هي النقّاد السياسيين والمحلّلين العسكريين، من فئة الرُّعاع المستأسدين.

 

بدون شكّ، التربية المجتمعية تواجه موجة ضغوطات وانتقادات من وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت محرّكاً لتصرّفات أبنائها، فالتربية تهدف إلى تنشئة الإنسان الجيد والمفيد، لكن اليوم في زمن العولمة أصبحنا بعيدين كلّ البعد عن أهدافنا السامية، التي نأمل أن نحقّقها بالوصول إلى إنسان صالح يثق بنفسه، وبدون شكّ أن التعامل مع الأبناء يحتاج إلى قوّة تربوية هادئة وحازمة في نفس الوقت، فمنذ أن ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي فُقِد التواصل والتفاعل التربوي بين الأسرة بأكملها، وأصبح الجميع في بوتقة فكرية ذهنية مغيبة بتاتاً، فالكلّ يتواصل مع مَن يروق له نفسه، والنتيجة الحتمية انهيار فكري كامل للعقل والذهن والفكر والجسد.

 

يعاني المجتمع الكوردي في غربي كوردستان من الفيس بوك كثيراً، على المستوي النفسي والاجتماعي والعقلي، فهو كالمخدّرات، إن أُدمن عليه أحد فالشفاء منه صعب جدّاً، بالرغم من أن له إيجابيات كثيرة لا أحد ينكرها، لكن اتّضح أن له مشاكل كارثية واضحة في المجالين الاجتماعي والنفسي، والسؤال الذي يجول في خاطر الجميع "هل بالفعل أصبح الفيس بوك مرضاً يستشري في المجتمع الكوردي وأيضاً العربي؟ وما العلاج المناسب له؟ وأيّ طبيب قادر على تشخيص النفسيات الافتراضية ومعالجتها؟ متى نصل لمستوى نقد الإبداع لنكون ناقدين مبدعين، بدل أن نكون ناقدين رُعاع؟

 

من خلال تعايشي اليومي مع الواقع الكوردي الأليم، رأيت أن أغلب مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي لم يستطيعوا السيطرة على أنفسهم بالفعل، لأن المرض استشرى بهم بشكل كبير جدّاً، إذ تشهد هذه المواقع تطوّراً من نوع عجيب وغريب عند نقد أو إبداء رأي على قضية أو حدث ما، والتي من خلال منظورهم تعتبر نقداً متبادلاً وحرّية في الرأي والتعبير «هل النقد أو حرّية التعبير تعني أن تخلق جوّاً من الفوضى النفسية والاجتماعية داخل مجتمعات غربي كوردستان؟».

 

ربّما كانت ظاهرة النقد اللامسؤول والجارح ظاهرة خطيرة وحالة مألوفة خلقتها ثورات الربيع العربي «حوّلت الدول الكبرى وديكتاتورياتها في الشرق الأوسط الربيع العربي إلى شتاء بارد وصيف حارق!»، قبل أن يعود النقد إلى هويته الطبيعية، بوصفه مدخلاً للوعي والتجديد، وليس منبعاً للفوضى المجتمعية وتشتيت الأمن والاستقرار.

 

ليت الأمر يقتصر على خلق الفوضى فحسب، بل تعدّى إلى التطاول على الأفراد والمعتقدات، بسبب خلاف أو اختلاف، سياسي أو غير سياسي، هذا التطاول الذي يظهر جلياً للمتابع للأحداث في الجغرافية الكوردية والكوردستانية، فأيّ حدث مؤثّر كان أو غير مؤثّر، اعتيادي أو استثنائي ترى الناقدين الرُّعاع لهذه المواقع الاجتماعية مليئة – بكثرة – بمنشورات وفيديوهات تحليلية للحدث، دون أدنى مراعاة للعقول المثقّفة أو المسؤوليات الاجتماعية، أو تخفيف الضغط النفسي والتوتّر الاجتماعي على الناس.

 

الثورة، والتي كانت حقلاً للاختلاف أو الاتفاق، لم تستطع بعمرها القصير أن تعيد ثقافة الاحترام والتقدير صورةً للسلوك الثقافي والاجتماعي، فإذا المثقف الثوري أو المتعلّم المنتمي روحياً إلى الثورة أو المتشبّه بأخلاق الثورة، كائن يرفض ويحارب ويخوّن الآخر المختلف، بنقد لا يشبه لغة النقد، بل بعنف وقمع لغوي وحواري، دون احترام الألم العام، إذ يتجرّؤون على القيم والمبادئ والمقدّسات تحت دعوى النقد، والذي في أساسه إفلاس فكري مخالف لمنطق الحرّية التعبيرية، لأنه يتعدّى لأمور لا دخل لها بالنقد، الذي له ضوابطه ينبغي مراعاتها.

 

أسّس روّاد وعباقرة التكنولوجية وسائل التواصل الاجتماعي، لبناء الإنسان والشعوب والمجتمعات وتقدّمهم، إلا أن المستخدم الكوردي والعربي يجد فيها فرصاً كثيرة للظهور عليها، بمناشير وحلقات بثّ مباشرة طويلة ويومية ومملّة، عبر لغة سوقية، المعبّرة عن غياب القيم الفكرية والإنسانية، فالقمع اللغوي والعنف الحواري والاضطهاد الفكري، وهي من صفات الناقدين الرُّعاع، صار حالة عامّة، إلى درجةٍ قد تجد أكاديمي أو صحافي أو كاتب يتكيّف معها ويمارسها، ويعتبرها من قناعاته ومبادئه.

 

ما الحلّ للوقوف في وجه الذهنية الرُّعاعية، لغالبية أولئك الذين يدّعون بأنهم ثوّار ونقّاد، وهم غالبيتهم باتوا أبطالاً مستأسدين خلف البحار والبراري والصحاري والشاشات؟ لا أحد يستطيع أن يمنع رُعاعياً من أن يظهر رُعاعيته، إلا في أن يبدأ من نفسه، ويبني ذاته بالطرق والأساليب السليمة والصحّية، لأن المسألة تحتاج إلى وقت طويل، للقيام بعملية ترميم القيم المفقودة، فعندما ينتصر مجتمع الاختلاف سياسياً وثقافياً واجتماعياً وإيديولوجياً؛ يعود النقد إلى مجراه الطبيعي، بوصفه تعبيراً عن الحرّية وانتصاراً للأنا، فممارسته عمل شاق، حيث يتطلّب مؤهّلات أكاديمية، وخبرة حياتية واسعة، والكثير الكثير من القراءة.

 

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان