رئيس التحرير: عادل صبري 04:57 صباحاً | الأحد 27 مايو 2018 م | 12 رمضان 1439 هـ | الـقـاهـره 39° صافية صافية

من دور فاعل إلى دور قائد.. أبعاد ودلالات زيارة فلاديمير بوتين إلى القاهرة (تحليل)

من دور فاعل إلى دور قائد.. أبعاد ودلالات زيارة فلاديمير بوتين إلى القاهرة (تحليل)

حسني عماد حسني العوضي 14 ديسمبر 2017 14:50

جاءت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى القاهرة الاثنين الماضي لتعكس عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين البلدين الكبيرين، منذ أن بدأت قبل نحو 74 عامًا؛ فمنذ الإعلان عن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى القاهرة تلبية لدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي ووسائل الإعلام المحلية والعالمية لم تكفّ التحليلات والأبعاد السياسية والاقتصادية حول هذه الزيارة.

 

أسباب زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى القاهرة

تأتي هذه الزيارة في ظل بعض الأحداث الكبيرة التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط من ناحية الاضطرابات القائمة في سوريا خاصة بعدما أصبحت العمليات العسكرية في سوريا علي قرب الانتهاء، والحديث الآن عن التسوية السلمية للأزمة متمثلة في سوتشي ومنصتي القاهرة والرياض وجنيف، وكذلك في ليبيا بعد لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي برئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، ومطالبة الرئيس السيسي الأطراف الليبية، بإعلاء المصلحة الوطنية العليا والاستقرار في بلادهم فوق كل المصالح الضيقة، والتركيز على إعادة بناء مؤسسات الدولة، والاتفاق السياسي بين الفرقاء الليبيين، وكذلك من ناحية أخرى ما يحدث في العراق بعدما أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي انتهاء العمليات العسكرية في العراق ونهاية تنظيم داعش فيه، وأيضًا بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ورفض موسكو والقاهرة لهذا القرار، الذي من شأنه أن يؤجج الصراع ولا يصل به إلى حل، ومطالبة الدولتين بالتركيز علي حل القضية الفلسطينية من خلال الاتفاق والتفاهم بين الأطراف، وضرورة قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

 

ومن جانب آخر جاءت هذه الزيارة في إطار حرص الدولتين علي تعزيز سبل التعاون المشترك في جميع المجلات وخاصة الطاقة والمجال  الاقتصادي و العسكري ..وغيرة، إضافة إلى سبل تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 

تاريخ العلاقات بين موسكو والقاهرة

تعود العلاقات الدبلوماسية بين البلدين منذ نحو 74 عامًا منذ العام 1943م، حيث دشنت أول سفارة لمصر في موسكو، وسفارة للاتحاد السوفييتي في القاهرة وقنصلية عامة في الإسكندرية، منذ ذلك التاريخ، وأصبحتا شريكتين على الصعيد الثنائي والدولي.

وفي عام 1948، وُقعت أول اتفاقية اقتصادية بين البلدين حول مقايضة القطن المصري بحبوب وأخشاب من الاتحاد السوفيتي، وشهدت العلاقة تطورات متلاحقة، ففي أعقاب ثورة يوليو 1952م، وثق الاتحاد السوفييتي علاقاته على كافة الأصعدة الاقتصادية والعسكرية والتجارية. وبلغت العلاقات الثنائية ذروتها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وقتما كان الرئيس جمال عبدالناصر على سدة الحكم، حيث ساعد آلاف الخبراء السوفييت في إنشاء المؤسسات الإنتاجية في مصر، بينها السد العالي في أسوان ومصنع الحديد والصلب في حلوان ومجمع الألومنيوم بنجع حمادي ومد الخطوط الكهربائية أسوان – الإسكندرية، وتم إنجاز 97 مشروعًا صناعيًا بمساهمة الاتحاد السوفيتي، وزودت القوات المسلحة المصرية منذ الخمسينات بأسلحة سوفيتية.

أول زيارة لرئيس القيادة السوفيتية نيكيتا خروتشوف فى مصر مع الرئيس جمال عبد الناصر ورئيس العراق ورئيس اليمن أثناء حفل افتتاح سد أسوان
 

 

واتخذ العلاقات بين البلدين منحى آخر في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، حيث شهدت نوعًا من التوتر، سرعان ما بدأت في التحسن تدريجيًا في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

وتعد مصر من طليعة الدول التي أقامت العلاقات الدبلوماسية مع روسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م، وتطورت على إثرها العلاقات السياسية على مستوى رئيسي الدولتين والمستويين الحكومي والبرلماني، عكستها أول زيارة رسمية للرئيس الأسبق مبارك إلى روسيا الاتحادية سبتمبر 1997م، وقع خلالها البيان المصري– الروسي المشترك وسبع اتفاقيات تعاون، أعقبها زيارتان رئاسيتان مصريتان إلى روسيا عامي 2001م و2006م.

وفي عام 2005، زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مصر، وصدر في ختام المباحثات الثنائية التي جرت في القاهرة، البيان المشترك الذي عبر فحواه عن عميق علاقات الصداقة والشراكة بين روسيا الاتحادية ومصر، واتخذت دورة مجلس جامعة الدول العربية في سبتمبر في نفس العام، للمرة الأولى في تاريخها قرارًا باعتماد سفير روسيا في مصر بصفته مفوضًا مخولًا لدى جامعة الدول العربية.

وفي أبريل عام 2007، قام وزير الصناعة والطاقة الروسي فيكتور خريستينكو بزيارة القاهرة، وتم توقيع مذكرة التفاهم في مجال إنشاء منطقة صناعية خاصة يسهم فيها الرأسمال الروسي، فيما أصبح التعاون في ميدان الطاقة الموضوع الرئيسي للمباحثات التي جرت في موسكو مارس 2008 بين الرئيسين دميتري ميدفيديف وحسني مبارك، وأسفرت عن توقيع اتفاقية حول التعاون في ميدان الاستخدام السلمي للطاقة الذرية.

وفي عام 2009، وُقعت مذكرة تفاهم بين وزارتي الثروات الطبيعية في البلدين، للتعاون في مجال التلفزة واتفاقية التعاون في الرقابة على المخدرات وغيرها، كما وقع رئيسا روسيا ومصر معاهدة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ورسمت هذه الوثيقة المؤلفة من 300 صفحة اتجاهات التعاون بين البلدين خلال عشر سنوات قادمة، بالإضافة إلى توقيع مذكرة التفاهم بين وزارتي العدل في الدولتين، وأخرى بين وكالة الارشيف الفيدرالية الروسية والمكتبة الوطنية المصرية وأرشيف مصر ومنذ انتخابه رئيسًا للبلاد، حرص الرئيس عبدالفتاح السيسي، على توطيد العلاقات بين البلدين، من خلال زيارة رسمية له في أغسطس 2014م في أعقاب توليه الحكم، فيما قام الرئيس الروسي بزيارة مصر وكانت الأولى له منذ 10 سنوات وقتها في عام 2015م حيث لم يزر مصر منذ العام 2005، وتعد هذه الزيارة الثانية لمصر في عهد الرئيس السيسي.

 

الشراكة الاقتصادية دليل على العلاقات الروسية المصرية

اقتصاديًا، تقلصت نسب التبادل التجاري بين البلدين خلال فترة التسعينات، لكنه في أعقاب تلك الفترة بدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين في إطراد مستمر، لاسيما خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغ حجم تبادل السلع والخدمات بين البلدين في عام 2006م حوالي مليار و950 مليون دولار، يشكل التبادل التجاري منه قرابة المليار و200 مليون دولار، وارتفع حجم التبادل السلعي بين البلدين عام 2008 ليبلغ 2.065 مليار دولار.

فيما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 3.5 مليار دولار عام 2016م، ليرتفع 14% عن العام الذي سبقه، وسط توقعات بارتفاع هذا الرقم ليصل لنحو 4 مليارات دولار بانتهاء عام 2017م، حسبما ذكرت وكالة سبوتنيك الروسية، التي أشارت في تقرير لها، أن روسيا تعد واحدة من أكبر الشركاء التجاريين لمصر بين الدول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأورواسي، لاسيما أن روسيا لديها حصة 97% من مبيعات التصدير لمصر، و94% من حصة الاستيراد من مصر، فضلًا عن استثمار الشركات الروسية 1.5 مليار دولار في تطوير قطاع الغاز والنفط في مصر عامي 2015-2016.

وفي العام 2015م، وقعت مصر وروسيا على اتفاق لإنشاء أول محطة نووية لإنتاج الكهرباء في الضبعة، لتلبية الاحتياجات المتزايدة على الطاقة في مصر، كما تمّ توقيع اتفاقية أخرى تحصل بموجبها مصر على قرض روسي لتمويل إنشاء هذه المحطة بقيمة 25 مليار دولار.

ويبدو أن عمق العلاقات المصرية الروسية، ليس قائمًا فقط على صعيد العلاقات الرسمية والتمثيل الدبلوماسي فقط، بل إنَّ هناك قبولًا شعبويًا فيما بدا بأحد استطلاعات الرأي الروسية التي أجريت مؤخرًا حول: ما هو الشعب الأكثر قبولًا واحترامًا للشخص الروسي، وكانت مصر في المرتبة الأولى في نتائج الاستطلاع، لتظهر الصداقة بين المجتمعين المصري والروسي.

وخلال هذه الزيار أكد الرئيسان بوتين والسيسي علي تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، وتيسير حركة التبادل التجاري وازالة المعوقات امامها وعلى التعاون في مجال تخزين الحبوب، بالإضافة إلى دفع الجهود لإقامة منطقة التجارة الحرة بين مصر والاتحاد الجمركى الاورواسي/أوروبا واسيا / بما يوسع أفاق العلاقات التجارية والاقتصادية مع روسيا وسائر دول الاتحاد. فالرئيس بوتين أشار إلى أن التعاون الاقتصادي والتجاري المصري_الروسي زاد بنسبة 80% بفضل التعاون المكثف في مجال المنتجات الزراعية وتم مضاعفة حجم الصادرات الزراعية المصرية، فضلاً عن التعاون في مجال الطاقة حيث أرسلنا في العام الماضي اكثر من 1.4 مليون طن من المشتقات النفطية، بما يقدر بسدس احتياجات مصر النفطية.

وكذلك الاستثمارات الروسية في مصر تزداد كل سنة، إضافة إلى التوقيع علي إنشاء المنطقة الصناعية الروسية في شوق بورسعيد في قناة السويس.

 

العلاقات العسكرية دليل على مدى الشراكة الروسية-المصرية

التعاون بين القاهرة وموسكو بدأ فعليا منذ الخمسينيات، فيما يعرف بصفقة الأسلحة التشيكية عام 1955، حيث كانت روسيا حينها المورّد الأول للأسلحة والتقنيات العسكرية لمصر، وظلت هذه العلاقة مستمرة وثابتة حتى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970م

وبعد تولي" الرئيس السادات "الحكم في مصر، بدأت العلاقات بين القاهرة وموسكو تدخل في مرحلة حذرة ووصلت إلى اتخاذ قرار من قبل الرئيس السادات بترحيل الخبراء العسكريين السوفييت.

وعلى الرغم من أن الجيش المصري حقق نصر أكتوبر 1973م بأسلحة روسية، فقد تضاءل النفوذ الروسي في مصر لصالح النفوذ الأمريكي بعد اغتيال الرئيس السادات عام 1981م، وفي فترة حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك شهدت العلاقة تحسناً تدريجياً.

وحاولت القاهرة إعادة العلاقات مع روسيا إلى مستويات متقدمة، وذلك بعد أن شعر الرئيس الأسبق حسني مبارك بأنه يجب ألا يعتمد على الولايات المتحدة فقط في السلاح، لكن يجب إعادة التوازن الاستراتيجي مرة أخرى.

وفي عام 2005م، وقعت القاهرة على عقد تسليح مع موسكو تم فيه تزويد مصر بعدد من منظومات الدفاع الجوي من نوعي "بوك أم" و"تور أم"، إلى جانب تحديث عدد من وحدات الدفاع الجوي، وهذه الصفقة لم يُعلن عنها بصورة رسمية وظلت تفاصيلها غير واضحة حتى ظهرت بطارية "تور أم" في إحدى تدريبات الدفاع الجوي المصري.

وخلال زيارة مبارك إلى موسكو عام 2009 تم التوقيع على صفقة لبيع 24 مروحية من نوع "أم آي 17" إلى مصر تم تسليمها بالفعل عام 2010م، وهذا يعد دليلًا على أن العلاقات التسليحية بين روسيا ومصر بدأت في التصاعد فعليا قبل ثورة 25 يناير.

بعد ثورة 30 يونيو، زادت وتيرة الزيارات العسكرية بين مصر وروسيا، حيث قام في البداية رئيس الاستخبارات الروسية بزيارة مصر، ثم وزير الدفاع الروسي "سيرغي شويغو" ووزير الخارجية "سيرغي لافروف" والمعروفة إعلاميا بلجنة "2+2"، حيث إن تلك الزيارات مهمتها الأساسية كانت إعداد الترتيبات لبدء مباحثات عسكرية موسعة بين مصر وروسيا.

وحضر في احد اللقاءات العسكرية بين البلدين بعد ثورة 30 يونيو، رئيس الهيئة العسكرية للتعاون التقني وفريق كامل من الخبراء الروس لفحص احتياجات الجيش المصري، خصوصا على مستوى القوة الجوية وقوات الدفاع الجوي وأشياء عسكرية أخرى.

ووصلت العلاقة إلى أقوى مراحلها حين زار الرئيس عبد الفتاح السيسي روسيا بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية، وذلك في زيارته لموسكو في أغسطس من العام الماضي، فالقيادة السياسية والقيادة العامة للقوات المسلحة تعتمد على استراتيجية تنويع مصادر السلاح، وعدم الاعتماد علي دولة واحدة فقط في عملية الشراء، وقد بدأ الجيش المصري منذ عام 2012م، سياسة تطوير وتحديث لجميع أفرع وتشكيلات وإدارات القوات المسلحة المختلفة، ومدها بأحدث الأسلحة والمعدات، بالإضافة إلى رفع الكفاءة الفنية والقتالية والإدارية للقوات، خصوصاً مع تزايد الصراعات في المنطقة ، ما جعل حجم التحديات أكبر لذلك كان على القوات المسلحة أن تواجه تلك التحديات من أجل حماية الأمن القومي المصري، وتطلب ذلك أن تمتلك مصر قوات مسلحة قوية ومتطورة وحديثة لها القدرة على تنفيذ جميع المهام داخل وخارج حدود الدولة، بالإضافة إلى المناورات العسكرية المشتركة" حماة الصداقة" بين البلدين، وكان رئيس الوزراء الروسي دميتري مدفيديف، كلف وزارتي الدفاع والخارجية بالتفاوض مع مصر من أجل توقيع اتفاقية بشأن الاستخدام المتبادل للأجواء والمطارات، بما في ذلك القواعد الجوية للبلدين.

 

 

صراعات المنطقة عاملاً للتقارب المصري الروسي

بعد أحداث الربيع العربي حدثت فجوات كبيرة في منطقة الشرق الأوسط أدت إلى عدم الاستقرار السياسي في عدد من دول المنطقة لاسيما في سوريا واليمن وليبيا، وخسرت روسيا عدد من حلفائها في المنطقة ، خصوصاً وأن موسكو كانت تري أن الولايات المتحدة الأمريكية هي العامل الأساسي في حدوث هذه الثورات ، علي غرار الثورات الأوكرانية والبرتقالية عام 2004م، فهذه الثورات أدت إلى فقدان روسيا لعدد من شركائها في المنطقة ولا سيما ليبيا، بعد تدخل الناتو في ليبيا وتدميره لنظام القذافي، وإبعاد روسيا من التقارب معه، وعبرت روسيا عن عدم رضا وانتقاد مبطَّن لما يجري من حراك احتجاجي في القاهرة وعن الخشية مما تحمله الثورة من متغيرات، حيث أكد الرئيس ميدفيديف ضرورة التوصل لقرار سلمي بشأن الموقف المصري، وهو ما يعبر عن تخوفه مما قد تؤول إليه التحركات الشعبية من تطورات، وبعد حدوث ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013م دعمت موسكو إرادة الشعب المصري ورفضت أي تدخل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في الشؤون الداخلية للقاهرة، فالشعب المصري لا يمكن أن ينسي موقف الرئيس بوتين وروسيا من هذه الثورة ، فاحتضنت روسيا مصر في لحظة هامة وفارقة في تاريخها ، ووقفت بجانبها في محاربة الإرهاب.

والآن روسيا ومصر مشتركان في عدد من قضايا المنطقة ،وعلي رأسها الأزمة السورية فمازالت رؤية القاهرة وموسكو بالنسبة للأوضاع في سوريا متوافقة مع الدعوة إلى الحفاظ علي الدولة السورية ومنع انهيارها، وكذلك الحال في ليبيا ودعم الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، ودعوة الأطراف الدولية إلى ضرورة تدعيم الجيش الليبي من أجل مواجهة التنظيمات المتطرفة وعلي رأسها تنظيم داعش، مع الحرص علي التسوية السلمية للأزمة والحفاظ علي الدولة الليبية

وفيما يتعلق بالعراق فمصر وروسيا من الدول التي دعمت العراق في حربها علي التنظيمات المتطرفة ولاسيما داعش، وكانت مع إفشال المخطط الداعي إلى تقسيم العراق، وضرورة الحفاظ علي أركان الدولة العراقية. فموسكو والقاهرة تشتركان في ملف مكافحة الإرهاب، وأكد الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والمصري عبد الفتاح السيسي خلال هذه الزيارة علي إعادة التأكيد على تمسك البلدين بثوابت العلاقات الاستراتيجية القائمة بينهما، بالإضافة إلى مناقشة الأوضاع في المنطقة العربية وسبل دفع عملية السلام في الشرق الاوسط بما يحقق إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، والاستمرار في تعزيز التعاون العسكري بين البلدين خاصة في ظل الظروف الراهنة. وخلال هذه الزيارة تنولت المباحثات ضرورة إحياء جهود السلام للتوصل الى تنفيذ حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية وضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية وتحقيق الوفاق بين مختلف المكونات الوطنية للعراق ودعم جهود مكافحة الإرهاب وتوسيع جهودنا لتوفير الأجواء للقاء الأطراف السورية للتوصل إلى اتفاق يستند إلى مرجعيات جنيف.

 

محطة الضبعة النووية ...طموحات الحلم النووي لمصر

مثلما قامت موسكو بمشروع السد العالي الذي عاد بالخير علي الدولة المصرية، فقد  لبت روسيا تطلعات الشعب المصرى واستجابت للإرادة الشعبية والسياسية الطامحة لمشروع عملاق لتوليد الطاقة ينقل مصر لمستويات أكثر حداثة نحلم بها لأنفسنا ولأبنائنا والأجيال القادمة ويأتي هذا في الوقت الذى تتسارع مختلف الدول داخل المنطقة وخارجها لامتلاك قدرات نووية سلمية لتوليد الطاقة الكهربية. ولا يمكن لمصر التى كانت رائدة يوماً في المجال أن تتخلف عن ركب التكنولوجيا الحديثة وما تحمله من فرص تنموية واسعة تسهم على نحو مباشر في حل الكثير من أزماتنا الاقتصادية والاجتماعية. فالطاقة النووية تشكل 20% من الطاقة المولدة بالعالم، ويُنظر إليها كمصدر ضخم للطاقة، ويحتوي الكيلو جرام الواحد من اليورانيوم أوالبلوتونيوم المستخدم على طاقة تعادل 3.5 مليون كيلوجرام من الفحم. الأمر الذى يسمح بإطلاق مشروعات تنموية عملاقة ويوفر فرص عمل للمصريين. كما ان الطاقة النووية مصدر لا ينضب للطاقة أو ما يعرف بالطاقة المستدامة، حيث إن خامات الطاقة النووية تكفي لاستخدام البشر ملايين السنين، وهى استثمار للحاضر والمستقبل. ومع التقدم التكنولوجي أصبحت تكلفة انتاج الطاقة النووية في الوقت الحالي مقبولة. وقد كان العرض الروسي بشأن محطة الضبعة هو الأفضل فنياً ومادياً بين العروض المختلفة التي تقدمت بها أكثر الدول تخصصاً وخبرة في المجال. وستقدم روسيا قرضاً لمصر يغطى 85% من تكلفة المشروع، يبدأ سداد أقساطه وفوائده عام 2029م أي بعد تشغيل أول مفاعل في المحطة عام 2022، بسبع سنوات، وبفترة سماح أكثر من عشر سنوات منذ بدء المشروع. ويعنى هذا أن تسديد القرض وفوائده سيكون من عائد المشروع والدخل المتوقع  من ناحية أخرى، تعتبر روسيا الأبرز في مجال إنشاء محطات الطاقة النووية لتوليد الطاقة الكهربائية، ولها خبرة واسعة في العديد من الدول أبرزها الهند، وتمتلك تكنولوجيا متقدمة جداً في هذا الصدد.

وخلال هذه الزيارة حرصا الرئيس السيسي علي الإشارة إلى التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية لاسيما وان روسيا تتمتع بمزايا نسبية كبيرة وخبرة واسعة في هذا المجال الذي توليه مصر اهتماما خاصا في إطار خطتها الطموحة للتنمية وتوفير احتياجاتها من الطاقة، وخلال هذه الزيارة تم التوقيع علي مذكرات تفاهم لإقامة منطقة نووية في الضبعة وأيضاً في مجالات الاستثمار والغاز. فتم التوقيع على وثيقة البدء في تفعيل وتنفيذ عقود مشروع المحطة النووية المصرية الأولى بالضبعة، بقرض روسي قيمته 25 مليار دولار. ومصر تسدد قيمة القرض في مدة لا تزيد عن 15 سنة، من خلال بيع وفرق سعر الوقود، ومحطة الضبعة يوجد بها أربعة مفاعلات، تبلغ قدرة المفاعل الواحد 1200 ميجاوات، ولو تم تشغيل المحطة بالغاز الطبيعي، تكون التكلفة السنوية 350 مليون دولار، مقارنة بتشغيلها بالوقود النووي الذي تبلغ تكلفته 60 مليون دولار فقط سنويًا، مما يعني توفير 290 مليون دولار سنويًا. حيث سعر الكيلووات/ ساعة، المنتج من المحطة النووية أقل تكلفة من منتج المحطة التي تعمل بالغاز، ما يؤكد توفير العملة الصعبة من الدولارات؛ نتيجة فرق سعر الكيلوووات/ ساعة، وهذا التوفير، تستعين به مصر تسديد قيمة القرض، الذي يسدد على دفعات نصف سنوية، ويبلغ عدد الدفعات 43، قيمة الدفعة الواحدة حوالي 950 مليون دولار.

وأشار أليكسي ليخاتشيوف، مدير عام شركة روس آتوم، إن العقود الموقعة تعتبر صفقة قياسية في تاريخ الصناعات النووية العالمية، وتعتبر أكبر اتفاقية تصدير لمنتجات غير الخام في تاريخ روسيا. وقال إن الطاقة الكهربائية التي تولدها وحدات الطاقة الأربع لمحطة "الضبعة" النووية توفر 10% من إجمالي الطاقة المنتجة في مصر، واعتبر العقد الروسي المصري لبناء محطة الطاقة النووية واحداً من أفضل العقود، والقرض الروسي لبناء المحطة، الذي يمتد حتى 30 عامًا، والدفعة الأولى منه لن تدفع إلا بعد تشغيل جميع وحدات الطاقة للمحطة، وبالتالي لن تعاني من أي أعباء مالية بسبب المشروع، والإيرادات المصرية من تشغيل وحدات طاقة الأربع للمحطة النووية تتجاوز التكلفة الإجمالية للبناء عدة مرات.

وكشفت مصادر بوزارة الكهرباء والطاقة لموقع روسيا اليوم، أن اتفاقية إنشاء المحطة النووية في منطقة الضبعة، الموقعة بين مصر وروسيا تضم ٦ بنود أساسية. وجاءت البنود السته على النحو التالي:

1- إمدادات الوقود النووي لوحدات توليد الطاقة النووية

2- الالتزامات الخاصة بكل طرف أثناء العمليات التشغيلية

3- صيانة وإصلاح وحدات توليد الطاقة النووية وغيرها

4- كيفية معالجة الوقود النووي المستهلك والتعامل معه

5-  تدريب العاملين في وحدات توليد الطاقة النووية

6- مساعدة مصر في تحسين المعايير والتشريعات الخاصة بقطاع الطاقة النووية والبنية التحتية النووية.

 

السياحة الروسية على مائدة الحوار الروسي المصري

تكتسب العلاقات السياحية بين البلدين أهمية كبيرة في ضوء الأعداد الكبيرة للسياح الروس الذين يزورون مصر سنويا، حيث جاءت روسيا في المرتبة الأولى بالنسبة للسياحة إلى مصر على مدى الأعوام الخمسة الماضية، وتشير آخر الإحصائيات إلى أن حجم السياحة الروسية لمصر خلال عام 2015 قد بلغ 3,4 مليون سائح ومن ثم تهتم مصر بالتعاون مع روسيا في مجال السياحة في ضوء كون السياحة الروسية تمثل ما يقرب من 20% من مجموع السياحة الوافدة إلى مصر، ولكن تراجعت هذه السياحة علي خلفية ضرب الطائرة الروسية في سيناء في 31أكتوبر 2015م، صاحبها قرار بعدم استئناف الرحلات بين القاهرة وموسكو، إلا أنه بعد ذلك تحسن الأوضاع في القاهرة وشعر الرئيس فلاديمير بوتين بأن القاهرة أصبحت الأن أكثر أماناً واستقرارًا، ومن ثم كان قرار عودة السياحة الروسية واستئناف الرحلات الجوية من موسكو إلى القاهرة علي دائرة النقاش.

وبعد توقف الرحلات الجوية لنحو عامين، أعلن وزير النقل الروسي، مكسيم سوكولوف، أن رحلات الطيران بين روسيا ومصر سوف تعود في خلال شهر، وإن روسيا مستعدة لتوقيع بروتوكول مع مصر هذا الأسبوع لاستئناف رحلات الطيران المباشرة بين موسكو والقاهرة.

وذكر سوكولوف أنه قد يتم استئناف رحلات الطيران بين موسكو والقاهرة في أوائل فبراير/شباط عام 2018م، على مسارات شركة مصر للطيران وشركة الطيران الروسية ايروفلوت.

 واعتبر عدد من أعضاء البرلمان حديث الرئيس الروسى فلاديمير بوتين خلال زياراته الأخيرة إلى مصر ولقائه مع الرئيس السيسي والتطرق لوضع لاستعداده لتوقيع برتوكول لاستئناف حركة الطيران الروسي إلى مصر بشرة خير لعودة السياحة الروسية مؤكدين استدعائهم لوزير السياحة للحضور إلى مجلس النواب وبحث وضع خطة لجذب السياحة والوقوف على تفاصيل البرتوكول الذى تطرق له الرئيس الروسي.

مما سبق نجد أن مصر تستند في علاقاتها مع روسيا على أسس عميقة من التعاون الممتد وتري فيها شريكاً استراتيجياً، وأن مصر تمد يدها بالصداقة لكافة الدول التي ساندتها ولا تزال لتحقيق ما يصبو اليه شعبها من تقدم وازدهار علي كافة المسارات، وجاءت هذه الزيارة في توقيت ربما يكون ممتازاً لكلا البلدين في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها، كما انها تعيد فتح افاق تعاون قديم حديث بين حليفي الأمس واليوم وغداً لتحقيق طموحات مصر والعودة الى مكانها الريادي الطبيعي (القائد) في منطقة الشرق الاوسط.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حسني عماد حسني العوضي

باحث ماجستير في العلاقات الدولية

متخصص في الشؤون الروسية والأسيوية

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان