رئيس التحرير: عادل صبري 08:14 صباحاً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

هوامش على دفتر السياسة في مصر

هوامش على دفتر السياسة في مصر

نايل شامة 01 أغسطس 2014 12:58

ثار جدال واسع في الوسط الثقافي والسياسي المصري في الأسابيع الأخيرة حول مقالين صادمين مضموناً ومقاربةً، طارحاً على مصراعيها أبواب أسئلة تتقصى السبب والمغزى والمدلول. المقال الأول للكاتب والمؤلف المسرحي علي سالم، وعنوانه «جماعة شرف البوليس». يحرض سالم في مقاله رجال الشرطة بلا مواربة على تشكيل ميليشيات سرية تعمل خارج نطاق القانون لاغتيال القتلة والمخربين، بهدف «حماية أنفعسهم والدفاع عن شرفهم الشخصي». أما المقال الثاني المعنون «أطفال الشوارع: الحل البرازيلي»، فسطَّره أستاذ الفلسفة نصار عبدالله، وفيه يشير إلى ما تصوره تجربة البرازيل في التسينات من القرن الماضي في معالجة قضية أطفال الشوارع، والتي تتلخص في تشكيل فرق للموت بغية تصفيتهم والتخلص من صداعهم للأبد.

على رغم تهافت المنطق، وانعدام المشروعية الأخلاقية والقانونية، فإن هذه الحجج لم تؤذن في مالطا البعيدة، أو تنبت في أرض غريبة. إذ يرتبط حبل قوي بين الأطروحتين - والاثنتان تدعوان إلى القتل - وبين أخاديد عميقة حفرت في عقل السياسة المصرية عبر سنوات، وتوطنت فيها معايير قيمية جديدة متناغمة مع بعضها بعضاً، لكتها متنافرة مع قيم الحق والعدل والسداد.

أولاً، يظهر في آفاق المشهد المصري الراهن استعداد لشرعنة العنف، وتقبل لاستغلاله كوسيلة ناجعة لحل المشاكل وحسم الصراعات. ليس هذا بعيد الصلة مما اجتاح السياسة المصرية من تطورات وما تكدس فوق جوانحها من ركام في السنوات الأخيرة. لقد تمت مثلاً تسوية مأزق جماعة الإخوان المسلمين عقب عزل محمد مرسي باستخدام البطش القح، المجرد من أي اختلاط بفنون السياسة أو الحوار أو الحلول الوسط، وكانت لهذا آثاره بلا شك على تفكير البعض. يتساءل هؤلاء (أما وقد حسم الصراع السياسي لمصلحة الدولة): إذا كان هذا الحل قد أتى أُكُله، فلماذا لا يتم اعتماده كأداة لحل سائر المشاكل السياسية والاجتماعية؟ والشاهد أن فض اعتصام رابعة لم يكن السابقة الأولى، ففي 2005 استوطن المئات من اللاجئين السودانيين في القاهرة حديقة عامة تقع في قلب حي المهندسين، احتجاجاً على سياسات المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين القابع مقرها أمام الحديقة. طال الاعتصام، واستفحلت آثاره الاجتماعية، ما أثار سخط سكان الحي وقلق الدولة، التي قررت اجتثاث المسألة برمتها بالقوة. وكان أن أسفر الفض عن مذبحة في قلب القاهرة راح ضحيتها ليلة رأس السنة الجديدة (2006) زهاء الثلاثين لاجئاً. ثمة افتتان في مصر بالقوة، يصل بالبعض إلى حد التسكّر بخمر العنف، والإيمان بقدرة السوط على عبور الشوط وتحقيق الهدف.

ثانياً، تتسم علاقة الفرد بالدولة في إطار المصفوفة السائدة بالخلل الشديد، إذ تنحاز كلية إلى الدولة على حساب الفرد. ليس هذا مفاجئاً، ففي الدول السلطوية، تصير للدولة هالة طوطمية سرمدية، فهي الإله الجديد الذي تتمحور حوله الحياة، وهي مصدر السلطات ومنبع الحركة ومركز التطور. تسيطر الدولة على المجال العام، وتؤمم السياسة والمجتمع والثقافة، وتفرض قانونها وعقابها على الجميع. والواقع أن هذه الدولة لا تعبر عن مجموع رغبات أفراد المجتمع، بل يصير المجتمع محض أداة لتحقيق الأهداف العليا للدولة.

نتيجة لذلك الخلل، يذوب الفرد في المجموع، تخضع إرادته لهم طوعاً أو قسراً، وتمحي شخصيته ورغباته، وتضحي كينونته غير ذات قيمة كبيرة. فهو مجرد ترس واهن منخرط رغم أنفه في ماكينة ضخمة لا تسمح له بالتفرد والتحقق إلا من خلال آلياتها.

ولأن الدولة أهم من الفرد، فحقوق الأفراد مهدورة طالما صب ذلك في مصلحة الدولة. يمكن الدولة مثلاً سحق الحق في الحياة (وهو أهم الحقوق الإنسانية لأي فرد) تحت ضجيج خطاب شعبوي يلتحف بدعاوى «المصلحة العامة» وذرائع «الحفاظ على الدولة»، وهي دوال فقدت مدلولها من كثرة التكرار وتوالي الابتذال. ليس هذا فقط، بل إن هذه العبارات الإنشائية المطاطية يوكل للدولة، مرة أخرى، حق تعريفها وتأويلها وضبط معاييرها وتحديد سبل إنفاذها.

ثالثاً، يبدو جلياً تصدع الأساس الأخلاقي للسياسة المصرية، وسيادة المنطق النفعي البراغماتي في القول والفعل. ويظهر للمتابع وكأن احتدام الصراع السياسي سبب كاف في نظر الغرماء للتهرب من أي مسؤولية أخلاقية. في السنوات الثلاث الماضية تبدلت المواقف المبدئية، ونُقضت العهود، وأُزهقت الأرواح غير مرة لتحقيق أهداف سياسية ضيقة. سيطرت على المشهد العام نخبة سياسية وثقافية تستلهم بوعي أو بغير وعي مبادئ الفلسفة الذرائعية ونظرية «الأيدي القذرة» للمفكر مايكل والزر التي تقول إن لا مناص ولا مندوحة من أن يرتكب الساسة أخطاء أخلاقية ما دام ذلك يخدم الصالح العام. بالتوازي مع ذلك، هبط إلى درك أسفل مستوى الخطاب العام، حيث تزخر وسائل الإعلام بسجالات وتراشقات تخلو من أي مرجعية قيمية، وتروج فيها ما يمكن تسميته «بأحاديث الأحذية والكلاب»، نسبة إلى ما يستخدم من نعوت لقدح المخالفين وتصفية الحسابات.

منذ سقراط وأفلاطون وأرسطو وحتى جون لوك وديفيد هيوم وإيمانويل كانط، يمتد في العقل الإنساني خط مديد يؤلف بين الأخلاق والممارسة السياسية. حري بالجميع في مصر أن يقرأوا تلك الأفكار، لعلها تحدث التغيير المنشود قبل أن تجف ينابيع الروح، ويبتلع طوفان السياسة كل شيء.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان