رئيس التحرير: عادل صبري 08:53 صباحاً | الجمعة 23 أغسطس 2019 م | 21 ذو الحجة 1440 هـ | الـقـاهـره °

فيديو| أيام زمان.. حكاية «المحمل المصري» لكسوة الكعبة المشرفة

فيديو| أيام زمان.. حكاية «المحمل المصري» لكسوة الكعبة المشرفة

منوعات

محمل كسوة الكعبة

فيديو| أيام زمان.. حكاية «المحمل المصري» لكسوة الكعبة المشرفة

أحلام حسنين 07 أغسطس 2019 22:41

كان احتفالًا عظيمًا تتزيَّن له القاهرة ثلاثة أيام، تتراقص الخيول في الشوارع خلف موكب الجِمال، يزفُّهم الناس بالطبل والزمر ويرفعون الرايات، هم على ذلك في الموعد نفسه من كل عام.. تلك هي الأيام التي يخرج فيها «المحمل» حاملات «كسوة الكعبة المشرفة» من القاهرة إلى بلاد الحجاز.

 

 

ربَّما تذكرنا مقاطع تليفزوينة قديمة، بعضًا من تلك المشاهد التي كان آخرها في أوائل حقبة الستينيات، حين كان لمصر شرف صناعة كسوة الكعبة المشرفة وإرسالها إلى الأراضي المقدسة، في أجواء احتفالية عظيمة يحضرها كبار رجال الدولة، لينطلق المحمل إلى أرض الحجاز ويرافقه حجاج بيت الله الحرام.

 

 

ففي صبيحة يوم عرفة من كل عام تتغير كسوة الكعبة الشريفة التي  تحتاج 675 كجم من الحرير الخام باللونين الأسود والأخضر، و220 كجم من خيوط الفضة الخالصة والمطلية بالذهب لنقش الآيات القرآنية.

 

وبحسب تقرير لقناة الغد الإخبارية، فإن التكلفة الإجمالية لصناعة كسوة الكعبة تبلغ 24 مليون ريال سعودي، أى ما يعادل 105 ملايين جنيه مصرى.

 

 

ولعقود طويلة كان لمصر شرف تصنيع كسوة الكعبة، إذ كان المصريون يشتهرون بالبراعة في نسج أفضل وأفخر أنواع الأقمشة والثياب.

 

وكما يذكر المؤرخ "أبو الوليد الأزرقي" فإن مصر كانت مسؤولة عن تصنيع كسوة الكعبة منذ عهد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إذ كان يوصي بأن تصنع كسوة الكعبة بالقماش المصري المعروف بالقباطي الذي اشتهرت بتصنيعه مدينة الفيوم وينسب اسمه إلى أقباط مصر، وكان يكتب إلى والي مصر عمرو بن العاص لطلبه.

 

وقيل: إن مصر كان لها حظ من التشريف في تغيير كسوة الكعبة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإلى جانب الأقمشة اليمنية التي غير بها النبي صلى الله عليه وسلم كسوة الكعبة استخدم قماش القباطي المصري، كما جاء في الروايتين التين أوردهما  ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري.


واستمر الحال على ذلك في عهد في عهد عثمان بن عفان، رضي الله عنه، إذ قرر للكعبة كسوتين من قماش القباطي المصري؛ الأولى بالحرير يوم التروية، والأخرى بالقباطي يوم السابع والعشرين من رمضان.

 

وسار الأمويون على نهجه فكسوها مرتين في العام؛ الأولى بالحرير يوم عاشوراء، والثانية بالقباطي المصري آخر شهر رمضان.

 

وحين جاء العباسيون إلى الحكم اهتموا اهتماما بالغا بكسوة الكعبة، فصنعوها بمدينة تنيس المصرية التي اشتهرت بصناعة أفخم أنواع الحرير وتطريزه.

 

ويذكر الفاكهي أنه رأى كسوتين من القباطي صنعتا بأمر الخليفة المهدي في مدينة تنيس في عامي 159 و162هجريا، وكسوة مصنوعة بأمر الخليفة هارون الرشيد عام 190 هجريا، وأخرى مصنوعة بأمر الخليفة المأمون عام 206 هجريا.

وعندما استولى الفاطميون على مصر، وبسطوا سلطانهم على بلاد الشام والحجاز واليمن، وأقاموا خلافة شيعية منافسة للخلافة العباسية السنية، قاموا بإرسال كسوة الكعبة من مصر لإضفاء الشرعية على حكمهم، في وقت كانت الحرب الدعائية على أشدها بينهم وبين العباسيين.

 

ففي عام 362 هجريا، أرسل الخليفة الفاطمي المعز لدين الله كسوة رائعة مصنوعة من الحرير الأحمر ومطرزة بالجواهر الثمينة، كانت مثار إعجاب الناظرين، حتى إن الناس قالوا إنهم لم يروا مثلها قط. 

وشارك الأيوبيون أيضاً في إرسال كسوة للكعبة رغم حروبهم مع الصليبيين، وأشهرها الكسوة التي خرجت بها شجرة الدر أثناء ذهابها للحج والتي كانت أول كسوة تحمل على محمل، وأصبح هذا الأمر تقليداً متبعا.

 

أما المحمل الذي بدأ في عهد شجرة الدر، فكان يحمل الكسوة التي توضع في صناديق مغلقة تحملها الجمال، وتتجه به إلى أرض الحجاز.

 

وفي الدولة المملوكية وعهد السلطان الظاهر بيبرس، كانت الكسوة ترسل من مصر،إذ كان المماليك يرون أن هذا شرف لا يجب أن ينازعهم فيه أحد حتى ولو وصل الأمر إلى القتال، فقد أراد ملك اليمن "المجاهد" في عام 751هـ أن ينزع كسوة الكعبة المصرية ليكسوها كسوة من اليمن، فلما علم بذلك أمير مكة أخبر المصريين فقبضوا عليه، وأرسل مصفدا في الأغلال إلى القاهرة.

 

وفي عهد الظاهر بيبرس بدأت تبدوا أشكال الاحتفال بالمحمل، فكان يطوف القاهرة لمدة 3 أيام، ويصاحبه الطبل والزمر، ورقص الخيول، وخلفه الجمال التي تحمل المياه وأمتعة الحجاج وخلفه الجند الذين يحرسون الموكب حتى الحجاز ومن ورائهم رجال الطرق الصوفية الذين يدقون الطبل ويرفعون الرايات، وبصحبتهم مهرجون يسمون (عفاريت المحمل).

 

 

وكان المحمل عبارة عن إطار مربع من الخشب هرمي القمة مغطى بستار من الديباج الأحمر أو الأخضر، وغالباً ما يزدان بزخارف نباتية وأشرطة كتابية مطرزة بخيوط من الذهب، وينتهي من الأسفل بشراشيب.

 

وللمحمل أربع قمم من الفضة المطلية بالذهب في الزوايا الأربع، ويوضع داخل المحمل مصحفان صغيران داخل صندوقين من الفضة المذهبة معلقين في القمة إضافة إلى الكسوة الشريفة، ويوضع المحمل على جمل ضخم يسمى (جمل المحامل) ويتمتع هذا الجمل بإعفائه من العمل بقية أيام السنة.

 

وحين كانت هناك محاولات لنيل شرف كسوة الكعبة من قبل بلاد الفرس والعراق، تصدى سلاطين المماليك ولم يسمحوا لأي أحد أن ينازعهم في هذا.

 

 

وللمحافظة على شرف  مصر لكسوة الكعبة، وقف الملك الصالح إسماعيل بن عبد الملك الناصر محمد بن قلاوون ملك مصر في عام 751هـ وقفا خاصا لكسوة الكعبة الخارجية السوداء مرة كل سنة.

 

ولما كانت تكلفة كسوة الكعبة مرتفعة للغاية، أمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون بوقف خراج قريتين بالقليوبية هي قرى باسوس وأبو الغيث، وكان يتحصل من هذا الوقف على 8900 درهم سنويا، لهذا الشأن ولكن العائد لم يعد يكفي بعده بسنوات طويلة، لكن السلطان سليمان القانوني سلطان الدولة العثمانية التي انتزعت مصر من المماليك، أمر في أثناء زيارته لمصر بوقف خراج 7 قرى أخرى إلى جانب القريتين ومع ذلك لم يكف العائد فتم رفع الضرائب على أهالي تلك القرى.

 

واستمرت مصر في نيل شرف كسوة الكعبة بعد سقوط دولة المماليك وخضوعها للدولة العثمانية، فقد أهتم السلطان سليم الأول بتصنيع كسوة الكعبة وزركشتها وكذلك كسوة الحجرة النبوية، وكسوة مقام إبراهيم الخليل.

وبعد أن سيطر السلطان العثماني سليم الأول على بلاد الشام، ودخل القاهرة اأمر بإعداد كسوة الكعبة المشرفة، وكسوة حجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكسوة مقام إبراهيم عليه السلام، كما صنع كسوة جديدة للمَحمل، وكتب اسمه على هذا الكساء الذي كان غاية في الإتقان والزخرفة.

 

ومنذ ذلك الحين ظلت كسوة الكعبة المشرفة تُرسل سنويا من مصر من ريع الوقف الذي وقفه الملك الصالح إسماعيل، إلى أن جاء السلطان سليمان القانوني، فوجد أن ريع هذا الوقف قد ضعف وعجز عن الوفاء، فأمر بشراء سبع قرى إضافة إلى الثلاث السابقة عام 947هـ، لتصبح عشر قرى، ينفق من ريعها على الكسوة الشريفة، فأصبح وقفا عامرا فائقا مستمرا.

 

واستمرت مصر في إرسال الكسوة والمحمل إلى مكة المكرمة حتى عام 1221هـ. إلا أنه في العام الثاني، كان المد السعودي على مكة المكرمة في عهد الإمام سعود الكبير، فتقابل مع أمير المحمل المصري وأنكر عليه البدع، التي تصحب المحمل من طبل وزمر وخلافه، وحذره من معاودة المجيء إلى الحج بهذه الصورة.

 

وتوقفت مصر عن إرسال الكسوة الخارجية، فكساها الأمير سعود الكبير كسوةً من القز الأحمر، ثم كساها بعد ذلك بالديباج والقيلان الأسود من غير كتابة. وجعل إزارها وكسوة بابها (البرقع) من الحرير الأحمر المطرز بالذهب والفضة.

 

وبعد سقوط الدرعية على يد جنود محمد علي باشا، وعودة السيادة المصرية العثمانية  على الحجاز استأنفت مصر إرسال الكسوة في عام 1228هـ، في إطار جديد، وهو الصرف على شؤون الكسوة من الخزانة المصرية مباشرة بعد أن كان ينفق عليها من أوقاف الحرمين الشريفين.

 

ولكن محمد علي باشا حلّ ذلك الوقف، وأدخل إيراداته الخزانة المصرية، وقد ترتب على ذلك أن أصبحت الظروف السياسية وطبيعة العلاقات مع حكومة مصر والسلطات الحاكمة في الحجاز تؤثران إلى حد كبير في إرسال الكسوة من مصر أو توقفها.

 

وقد تأسست دار لصناعة كسوة الكعبة بحي "الخرنفش" في القاهرة عام 1233هـ، وهو حي عريق يقع عند التقاء شارع بين السورين وميدان باب الشعرية، وما زالت هذه الدار قائمة حتى الآن وتحتفظ بآخر كسوة صنعت للكعبة داخلها، واستمر العمل في دار الخرنفش حتى عام 1962م، إذ توقفت مصر عن إرسال كسوة الكعبة لما تولت المملكة العربية السعودية شرف صناعتها.

 

 

فقد ظلت كسوة الكعبة المشرفة تُرسل إلى السعودية من مصر عبر القرون، باستثناء فترات زمنية قصيرة ولأسباب سياسية، إلى أن توقف إرسالها نهائياً من مصر سنة 1381هـجريا.

 

وكان آخر "محمل" خرج من مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وعاد قبل أن يصل إلى الأراضي السعودية بسبب خلافات سياسية آنذاك، لتبدأ المملكة صناعة كسوة الكعبة في منطقة أم الجود، ثم نقلت الصناعة إلى منطقة أجياد، وهناك تستمر صناعة الكسوة حتى الآن.

 

ويروي أحمد القصبجي، حفيد أخر عامل أنتج كسوة الكعبة في مصر، إن كسوة الكعبة كانت تصنع في البداية في القاهرة بدار الكسوة بالخرنفش، ثم تبدأ رحلة المحمل من مسجد سيدي عقبة، يتبعها عدد كبير من الحجاج الذين يبدأون زيارة مقبرة "السيدة فاطمة الأنوار" أخت السيدة نفيسة رضى الله عنها وبنت الأمام حسن الأنوار بن محمد الباقر بن على زين العابدين، كما يزورون قبر سيدنا عمرو بن العاص الذى أوصى بدفنه على طريق الحجيج.

 

وأضاف القصبجي، خلال ندوة استضافها متحف النسيج المصري بشارع المعز على هامش احتفالية يوم الحج الأكبر بمناسبة عيد الأضحى المبارك، إن المحمل كان يُحمل على جمل ويطوف شوارع الفسطاط، لتبدأ الرحلة إلى الأراضي المقدسة، والتي كانت تستغرق وقتا طويلا قبل أن يدخل القطار إلى مصر والبواخر.

 

وكان الحجاج يتبعون المحمل في طريق طويلة إلى الأراضي المقدسة، وكان الميسورون من الحجاج يقطعون الرحلة على مطاياهم من الدواب والخيل والإبل، أما الفقراء ممن كتب لهم الله زيارة بيته فكانوا يقطعونها سيرا على الأقدام، وكان الطريق مليئا بالاستراحات.

 

وتابع القصبجي، أن السيدات الذين كانوا يعانون من العقم كانوا ينتظرون خروج محمل كسوة الكعبة المشرفة من باب الفتوح ليرموا بانفسهم تحت اثدتم الجمال ببحصول على البركة في معتقادهم انهم سيرزقون بالذرية بعدها.

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان