رئيس التحرير: عادل صبري 11:17 مساءً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

بعد مصر...احتواء السعودية في سوريا

بعد مصر...احتواء السعودية في سوريا

وسام فؤاد 03 ديسمبر 2013 15:00

بعد أن تم استغلال السعودية، وتوظيف دولارات نفطها لاحتواء ثورة 25 يناير، يجري الآن احتواء السعودية نفسها. فالمملكة السعودية التي تعاني من انهيار بنيتها التحتية كما تعاني من وجود شريحة مواطنين واسعة ترزح تحت خط الفقر، بعثرت أموالها على دولتين: مصر وسوريا.

 

أما مصر، فإن القوى الإقليمية المحافظة، والولايات المتحدة، وكذا روسيا قد استغلتا المال السعودي والإماراتي ثم الكويتي لاحتواء ربيعها، بدءا من توفير تدفق هائل للموارد لخدمة الإعلام الذي شيطن جماعة الإخوان وساهم في توهين إدارة مرسي، وبعد ذلك وفرت تدفقا ماليا آخر لمساندة الانقلاب العسكري في التحديات الاجتماعية التي يواجهها بقدر مساندة ماكينته العسكرية.
 

 

ماذا تريد الرياض من سوريا؟
 

وأما في سوريا، فالأمر مختلف، إذ تساند السياسية الخارجية السعودية الربيع السوري. وهذه المساندة بالطبع لا تستهدف تحرير الأشقاء من نظام حفلت التقارير الدولية ببيانات عن فساده وقمعه، بل لها هدف إستراتيجي سياسي من وراء ذلك الدعم.
 

يرى الخبراء أن هدف الرياض في سوريا يتمثل في رغبتها في إزاحة نظام الأسد لموازنة الحكومة الموالية لطهران التي يهيمن عليها الشيعة في العراق. حيث تعتبر السعودية الحكومة العراقية أداة بيد إيران لزعزعة استقرار المنطقة. وتفيد المعلومات بأن الرياض تسلح المعارضة السورية من أجل إحباط فرص التوصل لحل سياسي. وتحدث عدد من الخبراء عن قيام السعودية بتمويل قاعدة تدريب للمعارضة السورية في لبنان. وتحدث بعضهم صراحة عن إشراف عملاء في المخابرات الأمريكية على هذه المعسكرات. وبفضل التمويل السعودي انتخب الاتئلاف السوري المعارض قيادة جديدة له موالية للرياض.
 

وفي هذا السياق نشأت تشابكات قوية بين السعودية وأنشطة سياسية إقليمية وفرت غطاء لتحركها في سوريا. فمن ناحية، أعلنت القوى السياسية العراقية الفاعلة في العملية السياسية العراقية، والرافضة للنفوذ الإيراني في العراق، ومنها القيادي الكري بارزاني والقائمة العراقية وجماعات عراقية معارضة، هذه القوى أعلنت دعمها للمعارضة السورية. بل لقد ذهب البارزاني لأبعد من ذلك؛ حيث جعل إقليم كردستان منطقة لتقديم شتى أنواع الدعم للمعارضة السورية؛ بما فيها الدعم العسكري. ويتم هذا مع تجاهل تام لحكومة بغداد الأضعف من أن تضغط على الأكراد.
 

وبعيدا عن الأكراد، فإن السنة العرب في العراق، والذين يرتبطون بعلاقات وثيقة مع الرياض، يدركون أن نهاية إدارة بشار الأسد تعني نهاية العلاقة الإستراتيجية بين دمشق وطهران، وهو ما يعني أن سوريا ما بعد الأسد ستكون داعمة لهم في مواجهة النفوذ في العراق. ويبدو هذا التوحد في الرؤى جليا، وبخاصة بعد صدور بيان لجنة العلاقات الخارجية النيابية لسنة العراق في الأسبوع الأخير من نوفمبر 2013 والذي أكدت فيه على ضرورة تمتين العلاقات الطيبة مع السعودية لأنها "قمة الهرم العربي للطائفة السنية".
 

هذا الموقف السعودي أدى لوجود مسارين إعلاميين سوريين؛ أولهما يصدر عن الرئيس السوري يرى أن أموال السعودية تهدد أمن سوريا واستقرارها، وهو تصريح قد ينطوي على تهديدات عدة لعل أبرز نتائجها تحذير السفارة السعودية في بيروت للسعوديين بمغادرة بيروت. والمسار الآخر مسار نائب الرئيس الذي يصوغ خطابا ناعما يخطب ود الملك.
 

وعلى الصعيد العالمي، مساعد وزير الخارجية الإيراني في الشؤون العربية والإفريقية حسين أمير عبد اللهيان قرار دعوة السعودية للجمعية العامة للأممِ المتحدة بإصدار قرار لإدانة سوريا عبر مجلس الأمن بأنه قرار متسرع، ويأتي من منطلق تأمين مصالح وأهداف أمريكا والدول الغربية.

 

التحولات لاحتواء السعودية

 

أدركت الرياض مبكرا وجود ترتيبات سرية يجري الإعداد لها، خاصة أن الإعداد للاتفاق النووي الإيراني عبر مجموعة دول الـ5+1 كانت قد بدأت في "سلطنة عمان" في مارس 2013، ومن ثم لوحت الرياض عبر طرف غير مباشر يتمثل في الأمير الوليد بن طلال الذي أعلن في نهاية نوفمبر 2013 أن مصالح إسرائيل والسعودية مترابطتان حيال الوضع في سوريا، في محاولة لوضع الرياض في بؤرة الاهتمام جنبا إلى جنب مع تل أبيب. لكن تداعيات الأحداث شهدت فصل مسارات نوعي بين السعودية وإسرائيل.

 

ففي خضم تصاعد الموقف السعودي في سوريا، شهدت المنطقة حدثين إستراتيجيين يطغيان على قدرة الرياض وسياستها في سوريا. الحدث الأول تمثل في الاتفاق المعروف باتفاق كيري–لافروف الذي تم توقيعه في مدينة جنيف بسويسرا في منتصف سبتمبر 2013، والذي طلبا فيه من منظمة حظر استخدام الأسلحة الكيماوية الموافقة على إجراءات غير عادية "لتدمير برنامج الأسلحة الكيماوية السوري على وجه السرعة والتحقق بطريقة صارمة من ذلك، وتم التصديق عليه في نهاية نفس الشهر، ويدخل اليوم حيز التنفيذ.

 

وأما الحدث الثاني فيتمثل في توقيع اتفاق مؤقت بين إيران ومجموعة دول 5+1 في النصف الثاني من نوفمبر 2013 في جنيف يقلص بعض أنشطة إيران النووية لمدة ستة أشهر مقابل تخفيف بعض العقوبات. وبموجب الاتفاق، تسمح إيران للوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيادة عمليات تفتيش المواقع النووية الإيرانية؛ بما فيها منشأة أراك النووية التي تعمل بالماء الثقيل. وتوافقت مجموعة 5+1 على استمرار المباحثات للتوصل إلى اتفاق أبعد مدى. ويسمح الاتفاق بحصول إيران على حوالي 7 مليارات دولار نتيجة تخفيف العقوبات.

 

قد لا يكون لمثل هذا الاتفاق قيمة إستراتيجية، بل قد يكون غطاء لاحتواء الرياض عبر إثارة مخاوفها من احتمال أن يصل بها تعنتها مع المشهد السوري إلى خسارة حليفها الأمريكي. وبينما تشتعل مخاوف الرياض تجد النداء الدبلوماسي من فاروق الشرع نائب الرئيس السوري على أهمية العلاقات بين دمشق والرياض، والذي اعتبر فيه أنّ أي شرخ يحصل في هذه العلاقة، سيؤدي إلى شرخ في الأمن العربي قاطبة.

 

ومن ناحية ثانية، قام السفير الإيراني لدى لبنان غضنفر ركن أبادي بالتصريح في أول ديسمبر بأن الأولوية لدى إيران هي لتطوير وتحسين العلاقات مع الجيران، وبخاصة دول الخليج العربي، وعلى رأسها السعودية. يأتي هذا في وقت زارت فيه لجنة حكومية إماراتية طهران، ودعت لتكوين لجنة اقتصادية ثنائية بين البلدين. كما تزايدت وتيرة الطرح التصالحي الإيراني مع الرياض بشكل خاص، وهو ما لم تبت فيه السعودية بعد.

 

وقد حاولت الرياض توسيع هامش للمناورة بمد جسور التواصل مع روسيا، وتطمينها على مستقبل مصالحها في سوريا، إلا أن الرياض المستجيرة من الرمضاء بالنار تناست اتفاق الأمس القريب بين كيري ولافروف، واحتمالات أن يكون له ما وراءه.

 

وبين هذه التفاعلات المعقدة والمتتالية والسريعة، على المملكة السعودية أن تقرر: هل تقبل التضحية بالمعارضة السورية وبناء سوريا السنية المؤيدة لسياساتها في المنطقة، وهو ما يتسق مع نظرتها الإستراتيجية لتداعيات الربيع العربي، أو أن تقرر ألا تخسر الجميع: إسرائيل وإيران وسوريا وروسيا والولايات المتحدة نتيجة مغامرة قد يكون غير مسموح عالميا باستكمالها.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان