رئيس التحرير: عادل صبري 09:19 مساءً | الجمعة 22 يونيو 2018 م | 08 شوال 1439 هـ | الـقـاهـره 43° صافية صافية

الرئيس الصيني يشدد حملة التطهير وينفرد بالسلطة ويحيي عصمة الحزب

الرئيس الصيني يشدد حملة التطهير وينفرد بالسلطة ويحيي عصمة الحزب

مقالات مختارة

الرئيس الصيني

الرئيس الصيني يشدد حملة التطهير وينفرد بالسلطة ويحيي عصمة الحزب

في توليف فوتوغرافي على تطبيق صيني شعبي، «ويشات»، يُرى نائب رئيس الوزراء في 1962، شي تشونغ شون (والد الرئيس الصيني الحالي شي جينبينغ)، واقفاً في شاحنة صغيرة وعلى صدره لافتة من الكرتون كتب عليها «استعمل رواية ليهاجم الحزب». وتعود الصورة الفوتوغرافية إلى أوائل الثورة الثقافية الماوية والشيوعية، وتندد برأي نائب رئيس الوزراء في رواية طبعت يومها، وتناولت ماو تسي (تزي) تونغ (دونغ) بالنقد مواربة، ومدحها شي الأب (توفي في 2002). والصورة الفوتوغرافية الثانية تعود إلى أسابيع قليلة فاتت، وهي لأحد كبار المقاولين العقاريين وعضو الحزب الشيوعي الصيني، رين تزيكيانغ. وهذا المقاول، أغلقت السلطات حسابه على شبكة ويبو، نظير تويتر، غداة انتقاده جولة شي جينبينغ «التفتيشية» على منابر الإعلام الرسمية في شباط (فبراير) من هذا العام. وأثبت التوليف الفوتوغرافي على صدر المقاول لافتة كتب عليها: «استعمل ويبو ليهاجم الحزب». وهي كناية راهنة عن شبه سياسة الرئيس الصيني الشيوعي اليوم بسياسة قمعية سبق أن انتهجها الحزب في أحلك أوقات تسلطه، وكان والد الرئيس ضحيتها قبل نصف قرن من الزمن.

وتنبه المقارنة الفوتوغرافية والشبكية إلى حال التطهير المزمنة التي يسلطها الأمين العام والرئيس على الصين منذ توليه السلطة والقيادة قبل نحو 3 أعوام (وهو تولى أمانة الحزب الشيوعي العامة في تشرين الثاني- نوفمبر 2012، ورئاسة الدولة في آذار- مارس 2013). وأدت هذه السياسة إلى إشاعة الاضطراب والقلق في الحياة العامة، وتحولت موضوع تنديد ومقارنة سلبية بـ «السنوات الحمر» بين 1966 و1976، وغلبة التعصب الأيديولوجي والتضحية بملايين الصينيين على مذبح التصلب الماوي. وينصب نقد المنتقدين والمتحفظين على إخلاف شي جينبينغ بالعقد الضمني الذي أقرته سياسة دينغ شياو بينغ في أواخر سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، وقضى بترك ميدان السياسة للحزب على أن يتعهد الحزب للصينيين برعاية فرص الإثراء وجني ثمار الرأسمالية «الاجتماعية» التي يقودها الحزب الشيوعي.

 

وسمة الزمن الصيني الحالي هي الـ «دابوتونغ»، أو التطهير في عصر الإعلام ووسائطه الكثيرة. وصاحب لواء التطهير هو شي جينبينغ. وتنتهي ولاية أعضاء اللجنة القيادية التي ترأس المكتب السياسي، وهم 7 أعضاء، في 2017. ويستثنى اثنان، هما الرئيس، أي شي، ورئيس وزرائه، لي كيكيانغ، من تجديد العضوية. وتغذي مثل هذه المواعيد الصراع على السلطة، ولا تستثني أحداً. وتشير التنبيهات الهاتفية التي تصدرها مواقع الإعلام إلى الضحية الجديدة المتوقعة: أحد «النمور»، وهو «كادر» عالي الرتبة على شاكلة تزو يونغ كانغ، مسؤول الأمن السابق في عهد هو جينتاو (من 2007 إلى 2012). وقد تكون الضحية شخصية ثانوية يسميها الصينيون «ذبابة».

 

والتهمة أول الأمر واحدة: «انتهاك الانضباط». وعقب «اختفاء» أو توارٍ يستمرّ بضعة أشهر، تضاف إلى التهمة الأولى «مفاسد» تتعاظم إلى «رذائل فاضحة»، تلمح إلى مغامرات جنسية أقر بها صاحبها طوعاً ومن غير إكراه. وإلى اليوم لم يسلم أحد من الموقوفين احتياطاً الذين تولى مفتشو لجنة الانضباط المركزية التحقيق في ملفاتهم. وقرارات اللجنة لا سبيل إلى الطعن فيها أو إلى استئناف ما تبرمه أو تقضي به. وفي جردة حساب عرضها على البرلمان الصيني، في 13 آذار، أحصى النائب العام كاو جيان– مينغ 22 مسؤولاً سابقاً، من رتبة وزارية أو ما فوقها (أعضاء اللجنة المركزية أو المكتب السياسي)، حققت النيابة العامة في قضاياهم، في 2015. وبلغ عدد الرسميين الذين تناولتهم التحقيقات، في إطار 41 ألف دعوى فساد، 50 ألفاً. وما لا تفصح عنه الجردة العتيدة هو أن معظم قضايا الفساد تستهدف الحلقات الضعيفة من الجهاز الإداري والحزبي، أي شركاء فاسدين سبق إدانتهم. ويتستر كشف الحساب على عشرات المنتحرين في صفوف المسؤولين المدانين أو المشتبهين. وتعود بداية هذه الحملة القاسية إلى 2012، وتزامنت مع مباشرة شي جينبينغ استلام مقاليد السلطة، يوم كان الحزب على شفير الانفجار، وتتنازعه صراعات الشلل والمحاصصة. وفي ذلك الوقت أو قبله بقليل، سقط بو تشيلاي (كزيلاي)، وزير التجارة السابق وزعيم الحزب الشيوعي في تشونغ كينغ، ومنافس شي جينبينغ على المرتبة الأولى. ودين بو بالفساد وحكم بالسجن مدى الحياة.

 

ويلاحظ وو سي، مدير تحرير شهرية تاريخية («حوليات الإمبراطور الأصفر») سابقاً ومثقف معروف بعلاقاته بنافذين حزبيين ليبراليين، أن هو جينتاو، سلف الرئيس الصيني الحالي، أطلق يد كلٍ من أعضاء اللجنة الدائمة العليا في الدائرة الحزبية التي يعود إليه الإشراف عليها، وناط به حق نقض في شؤون دائرته، فأفضى احتكار الاختصاص إلى استحالة الإصلاح. وحمل تردي الاقتصاد وتعاظم الفساد الأمين العام الجديد على جمع مقاليد السلطة في يده، وتوسل بمكافحة الفساد إلى هذا الجمع. وصفق الناس، في وقت أول، للإنجاز ولإيفاء رأس الدولة وعده، ولكنه انعطف إلى اليسار، ودارت الرحى على نفسها، وعلى فراغها، وفي طريقه استعدى الرجل المثقفين، والأثرياء يهاجرون، والأزمة إلى استفحال وإعضال...

 

وسمة الانعطاف اليساري البارزة هي استرجاع ماو تسي تونغ (ماو تزي دونغ)، مؤسس جمهورية الصين الشعبية (توفي في 1976)، وتحكيم أقواله في شؤون الصين المعاصرة وشجونها. وسبق لدينغ شياو بينغ أن ميز 70 في المئة من ميراث ماو، وصفها بالإيجابية، من 30 في المئة وضعها في خانة العثرات والأخطاء. وعلى خلاف دينغ، يريد شي تحصين الحزب الشيوعي وتراثه من النقد والتحفظ. وشاغل الرئيس الحالي هو تجنيب الحزب الحاكم مصير الحزب الشيوعي السوفياتي حين انهيار جدار برلين في 1989. فهو جهر إرادته الاضطلاع بدور على نقيض دور غورباتشيف الإصلاحي. وفي معرض جمعه مقاليد السلطة في يده، تبوأ شي مكانة المخلص الفذ ومستحق فروض الإكبار والتبجيل. فحلت الرسوم المتحركة على يوكو (نظير يوتيوب) محل الملصقات في عهد ماو.

 

وعشية السنة الجديدة الصينية، في أواخر شباط (فبراير)، بث مسؤولو الدعاية في محافظة هونان، بوسط الصين، شريط فيديو وسموه بـ «لا أدري كيف أخاطبك»، واستوحوه من زيارة الرئيس إلى قرية تسكنها أقلية إثنية. وتليق كلمات الأغنية بأعمال الدعاية الماوية: «نحن في قلبك وأنت في قلبنا. الجمهور يحبك حباً عميقاً. ونحن نحبك». وبث شريط فيديو آخر، من صنف حميم: «إذا أزف زواجي، أريد الزواج برجل مثل العم شي». وعلى المثال الماوي، كذلك، يتخطى الدور الذي يضطلع به أهل الأمين العام، شأن زوجته بينغ ليُوان، نجمة الأوبرا الشهيرة، الدور التقليدي المتعارف. ففي تصرفها مكتب خاص تشغله في المبنى القيادي، وكانت مستشارة إخراج أوبرا ماوية كبيرة، «الصبية ذات الشعر الأبيض». وتتولى بنت شي، تحت اسم مستعار، كتابة تقارير تعالج قضايا الإنترنت. وعاد إلى أخت السيدة الأولى، هذا العام، الإشراف على احتفال التلفزيون بالسنة الجديدة. وتواترت، في البرنامج، الإشارات المنوهة بالحزب الشيوعي وبالجيش على نحو أثار حفيظة مستعملي الإنترنت.

 

وحصن الفريق القيادي الجديد سياسته بواسطة «حال الطوارئ». فلجم المنتقدين، وكمَّ أصوات المجتمع المدني وألسنته، وجرد حملة اعتقالات على أشد المحامين عن حقوق المواطنين، وعلى المنددين بتجاوزات شرطة مكافحة الفساد. وضيق هامش حرية كان متاحاً بعض الشيء للصحافة والنشر في عهد هو جنتاو. ويروي الكاتب شان كونشونغ، من هونغ كونغ، أنه لما عزم على الإقامة ببكين في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين كانت المدينة تعج بالجمعيات غير الحكومية الجديدة، وبالإصدارات الصحافية المتنوعة، ودور نشرها تطبع أصنافاً لا تحصى من الكتب، وتنتج شركات السينما الأشرطة الوثائقية من غير قيد، ودامت هذه الحال المثيرة إلى 2009.

 

وحسب الصينيون أن ويبو، أي تويتر الصيني، فتح صفحة جديدة تستحيل معها استعادة الرقابة على الرأي والتعبير. ولكن الفريق الحاكم طوى هذه الصفحة، وقسر ويبو على التحفظ الشديد. فهاجر المدونون إلى ويشات، وخدمته الضيقة والمقننة.

ومنذ التشهير برين تزيكيانغ، المقاول العقاري الشيوعي، لم تخل المنابر الإعلامية الإلكترونية من مواقف وآراء حادة في سياسة السلطة. فقبيل الدورة البرلمانية الأخيرة، في 3 آذار، نشر أحد المنابر عريضة قوية الحجة تطالب شي جينبينغ بالاستقالة، وقعها «أعضاء مخلصون للحزب»، لا يعلم أحد عنهم شيئاً. وينتقد موقعو العريضة الغامضون انحراف الرئيس اليساري والمتسلط، وينكرون تخليه عن السياسة الخارجية المتحفظة التي انتهجتها الصين من قبل وكانت جزءاً لا يتجزأ من إرث دينغ شياو بينغ. وعمدت السلطة إلى توقيف عشرات الأشخاص رداً على العريضة، واختارتهم بين مقربين من منشقين في المنفي.

 

والحق يقال أن بعض أشد المتحفظين عن نهج الرئيس والأمين العام هم أقرانه من أولاد كبار المسؤولين الحزبيين وأعيانهم، وضحايا مكافحة الفساد. وبعض رجال المال «الحمر»، من مديري شركات الصرافة أو شركات التأمين، لم يرضهم تلاعب السلطة بمؤشرات البورصة، وحملوا هذا التلاعب المسؤولية عن تفاقم الأمور. وكتبت حفيدة الماريشال يي جيانبينغ، أحد «مخلدي» الثورة الماوية ونصير دينغ شياو بينغ، مقالين حملت فيهما على «الجهاز الآلي السياسي الصيني، وقيادة شي جينبينغ التي تسوق الصين إلى «وجهة مرعبة، رجعية وأيديولوجية».

 

* مراسلان، عن «لوموند» الفرنسية، إعداد منال نحاس

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان