رئيس التحرير: عادل صبري 12:12 مساءً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

ومشيناها خطى: «سنوات العمر وسلاح أم كلثوم ومنشفة حَمام السجن الحربي» (3ـ4)

ومشيناها خطى: «سنوات العمر وسلاح أم كلثوم ومنشفة حَمام السجن الحربي» (3ـ4)

ساحة الحرية

محمد ثابت

ومشيناها خطى: «سنوات العمر وسلاح أم كلثوم ومنشفة حَمام السجن الحربي» (3ـ4)

بقلم: محمد ثابت 08 يناير 2018 15:43

   صرتُ أفتش في جيب معطفي عن عام ربما أكون خبأتُه هنا أو في مكان آخر، ولم يعد بالداخل ذلك الإنسان الذي يبوح بما في الخاطر أمام الأحباب، بل صار هناك بداخلي آخر يسأل نفسه كلما همّ بالتحديث:

ـ أو يجدر بك أن تقول هذه المعلومة أم أن الصمت عنها أفضل..!

    بعد فيض من العمر صرتُ أتلفتُ في الطريق أحيانًا لا حذرًا من سيارة عابرة؛ بل لأتأكد من حكمة إلهية تجول في الخاطر من حين إلى آخر؛ وهي متراكبة أو متزاوجة مع أنه تعالى اختار لصاحب هذه الكلمات الأفضل لحياته وبعد ذهابه إلى خالقه.. في التعليم والزوجة والمال والولد.. أما جديد الحكمة أن قاسي الاختبارات الإلهية جاءت برفق إلى أعتابه .. وبتدرج.

  في غربة إسطنبول كان سبحانه رحيمًا بصاحب الكلمات إذ جاءت غربة من قبل لسنوات بعدد أصابع اليد أو القدم ممهدة لها، وكان للمقدمة من البعاد عن حقيقي الأصدقاء والمال والسكن أهمية قصوى في المسيرة الجديدة من الغربة؛ إذ إن البعاد هذه المرة الأخيرة لا أبعاد له، فلا تعرف له خط

 

وكأنك دخلت من باب إلى صحراء متناهية فيها الطعام والشراب وأحيانًا "مروحة" في الصيف و"دفاية" في الشتاء .. لكنك مجبر على العيش "هناك" دون بادرة عودة، أو وجود عاقل من حولك يملك قرارًا ليفهمك كيف بدأت المسيرة من رغبة في خدمة حضارة الأمة الإنسانية قبل الإسلامية وبعدها وانتهت في التيه؟ .. ومَن المستفيد من حفظ طاقات الآلاف في ثلاجة الغربة المُجمدة والمدمرة؟

   كنتُ في صغر الصغر من سنوات العمر استمع إلى أغنية الراحل "نزار قباني" إلى "أم كلثوم" "أصبح عندي اليوم بندقية"، وكنتُ أتلفتُ فلا أجد البندقية وأخجل من سؤال أبي، رحمه الله، أين مكانها؟ .. ولكني كنتُ أملك من اللغة لأقول له:

ـ لماذا لا نذهب إلى فلسطين؟

فكان يقول على البداهة:

ـ الحكام العرب يمنعوننا!

   وبعد قليل حلّت أغنية "بيرم التونسي" "بالسلام إحنا بدينا" لـ"أم كلثوم"، أيضًا محل حديث البندقية؛ ولم يتعلم الصغير الدرس أن لكل مبدأ وقتًا، وأن الناس تنادي بالمبادئ حسب الأوقات، وعما قليل صارت الأغنية المختزنة منذ عام 1960م (بالسلام إحنا بدينا).. تُغنى أو تذاع، إذ كانت أم كلثوم توفيت وعند 1978م أو "كامب ديفيد" صارت أغنيتها تُذاع بعد مصرع الرئيس الراحل "أنور السادات" بإمالة صورته إلى جوار الرئيس الجديد آنذاك "مبارك".

   ومع الأيام صارت قضية جيش بلادي شرفاء الوطن أكبر قضية تستحوذ على الوجدان، وتبدت صفحة الشرفاء من الطرفين بعامة عن حقيقة مهولة ملخصها حديث الرسول، صلى الله عليه وسلم الصحيح: "الناس كأبل مائة لا تجد فيها راحلة"، أي الناس من حولك كمائة إنسان .. عشرات وعشرات منتشرون يَعدون بالأماني .. ويبشرون بالخيرات، ولكنك إن أردت المسير الروحي قبل المكاني لم تجد معينًا واحدًا، بل لربما تبرع أحدهم بـ"شهادة زور مجلجلة" نظير كلمات "فضفضت" له بها في لحظة ضيق، ومثل الأخير وإن قل نسبيًا كافٍ بتسميم مياه نهر كامل من العلاقات الإنسانية .

   في الصبا والتفتح البالغ الجمال كانت شوارع "بني مزار" طويلة وعميقة وممتدة تتحدى الخيال، وكان الإنسان منه.. بالغ الخصوبة يُقارب المُحال ويُخيل إليه أنه سيغير لا وجه بني مزار ولا المنيا ولا الصعيد ولا حتى أفريقيا بل العالم والكون كله بما فيه من نجوم وكواكب، وعامًا بعد آخر ظهرت بوضوح الحقائق مع توالي ضربات الطغاة على النفس والحياة من حولها، ومن الطغاة طغاة يملكون وآخر لا يملكون ولكنهم ودوا لو ملكوا!

   وبين هؤلاء وهؤلاء تبدو الحقائق مريرة فإنهم ليقُسمون بشرًا إلى جانبين فيهم الغث وفيهم الثمين .. إلى ملائكة وشياطين، وما هؤلاء كذلك، ولا أولئك بجديرين بذا مع الاعتراف بأن هناك الأقرب إلى الحق، لكن بلا قدرة على الدفاع عنه سوى الأوهام، وما تفيد الأوهام يوم النزال ولا تغني الحق في شيء؟

   وعلى أرض الواقع كلما ظهرت له صورة صديق يمكنه أن يجد لديه حل للصراع القاسي داخل نفسه تذكر حكاية "مصطفى آمين" مع "حامد بيه"، رحمهما الله.

   وكان "أمين" ذكر في كتابه "سنة أولى سجن" أنه فور إلقاء القبض عليه أوصى زوجته وبناته بالبحث عن "حامد بيه"، فهو صديق مقرب له، وهو في نفس الوقت مسئول ذي نفوذ عميق يصل للمخابرات، وبالتالي يمكن أن يتدخل للإفراج عنه، ولكن "حامد بيه" كأنه "فص ملح وذاب"، فلم يعد له أثر، حتى أن بنات "أمين" وزوجته كانوا يعقدون مناوبات لترصده عند بيته، بخاصة أن رب أسرتهم المسجون لم يكن يطيق مجرد وجوده في السجن الحربي، وهو المُرفه البالغ النعمة.

    وذات صباح فيما "أمين" يهم بدخول دورة مياه السجن الحربي القذرة لمح خلفية وجه رجل كأنه يعرفه، فلما التفت ليراه وجد الرجل يلف وجهه بمنشفة أو (باشكير كبير) .. لكن هذا لم يمنع "مصطفى آمين" كاتب السطور هذه .. وصاحبنا من بعده من أن يصيحا:

ـ حامد بيه ..!

للحديث بقية إذا كان في العمر بقية.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان