وأخيرًا.. انتهت آمال الحالمين بحرب ترامب على إيران!

عايدة بن عمر

في الوقت الذي نفخر بصواب رؤيتنا لمسارات الأحداث فإننا نشمت بسفهاء القوم الذين سمح لهم خيالهم المريض أن يحلموا بأن ترامب سيكون الفارس المنتظر الذي سيعلن الحرب على إيران، فجاءهم الرد الحاسم على لسان وزير الدفاع الأمريكي - ماتيس - الذي قالهافي الساعات الأخيرة وبكل لغات الأرض بأن الرد الأميركي على إيران لن يتعدى الخيار الدبلوماسي، وهو ينفي خيار الحرب مع الخامنئي وشيعته.

بعد هذا النعل العتيق الذي وضعته الإدارة الأمريكية في أفواه الحالمين، أجد من المناسب إعادة ماكتبته مرارا تحت عنوان: العلاقة الأمريكية الإيرانية من المنافسة إلى الشراكة..(العلاقة الأمريكية الإيرانية عقود من الدعاية لحرب لن تقع)...!! إن الآمال التي يعلقها البعض من السفهاء على حالة التراشق اللفظي بين ترامب وجمهورية هيكل ولاية الفقيه الشيعية في إيران لايعدو كونه مساهمة متعمدة أو بدون وعي في إعادة تبييض وجه ولاية الفقيه وتقديمها بثوب جديد لايختلف عن الثوب الذي لبسه حسن نصر اللاة عام 2006 عبر سيناريو حربه مع اسرائيل للتغطية على جرائم ميليشيا الشيعة في العراق وتعاون آيات الله الصغرى والكبرى مع بوش في كلا من العراق وأفغانستان،وحينها ابتلع الكثيرون الطعم وأخذتهم العاطفة وصفقوا لانتصارات الشيعة في جنوب لبنان وهكذا قدموا ظهورهم كمطايا للمشروع الشيعي الذي ركب على ظهور الحمير من بني جلدتنا واستيقظنا على فجيعة سقوط صنعاء وبغداد ودمشق وبيروت وفيل كسرى على اسوار الكعبة..

وهكذا على البعض ممن يحملون ذاكرة سمكة ان يستذكروا ماكان يروج له اعلام نصر اللاة عن هجوم الربيع الاسرائيلي على لبنان،فكلما وصل المشروع الشيعي الى حافة السقوط يجري الترويج لهجوم اسرائيلي على لبنان في محاولة للتعمية وابتزاز العقول وصولا الى منح شرعية اضافية لميليشيا حزب اللاة حتى وصلنا الى لحظة الحقيقة حين اجتاح حزب اللاة بيروت في 7 أيار عام 2008. وكذا اعلام اللوبي الإيراني الذي كان يملا الفضائيات والصحف ضجيجا عن موعد الضربة الإسرائيلية الأمريكية للمنشآت النووية الإيرانية ثم انتهى الأمر بتسليم العراق على طبق من ذهب لإيران.

وعود على بدء نستذكر أن الحرب الإعلامية بين آيات هيكل ولاية الفقيه وإدارة الرئيس الأمريكي ريغان انتهت بالكشف عن فضيحة إيران غيت ،فبينما كانت كانت أمريكا تمثّل الشيطان الأكبر بالنسبة للدهماء الذين تبعوا الخميني،كان بوش الأب الذي كان نائبا للرئيس ريغان ،كان يعقد الاتفاق عند اجتماعه مع الرئيس الإيراني أبو الحسن بني صدر في باريس،في اللقاء الذي حضره أيضاً المندوب عن المخابرات الإسرائيلي الخارجية "الموساد" "آري بن ميناشيا"، الذي كان له دور رئيسي في نقل تلك الأسلحة من إسرائيل إلى إيران.

 

إن القارئ للسياسة الدولية عليه أن يفهم معنى ودلالات الفرق بين الصراع والتنافس والشراكة،وان يأخذ بعين الاعتبار ان ترامب رجل تجارة قبل كل شيئ ومن اراد ان يفهم ترامب فما عليه سوى قراءة أفكاره التي دونها في كتابه الموسوم " فن الصفقة"(The Art of the Deal) عندها سيدرك أن فلسفة الحكم لدى ترامب وفريقه تقوم على اعتبار السياسة مجرد صفقة مربحة تكون الغلبة فيها للتاجرالذي يمتلك مواصفات تجعله قادرا على تسويق بضاعته عبر ادارة المفاوضات الناجحة،وهكذا فإن الأمر لايتعلق بصراع أو حرب بل هو إعادة تموضع وترتيب الأوراق عبر الضغط الإعلامي والتهريج وصولا إلى عقد صفقة شراكة على أسس مقبولة للإدارة الأمريكية التي شعرت أنها لم تكسب الكثير من غزو العراق وخسارة 3 ترليون دولار واآاف الجنود ، وبالتالي فلا بد من إعادة تقسيم الغنيمة وليس الأمر متعلقا بحرب بين أمريكا وإيران كما يتوهم الحالمون.

وهنا نجد من الضرورة بمكان الإشارة إلى العوامل التالية التي تعزز ما ذهبنا إليه من وجهة نظر: أولا .. إن ترامب يرفض وينتقد سياسات أسلافه بالتدخل العسكري وقد أعلن مرارا أنه لايريد لأمريكا الاستمرار في لعب دور شرطي العالم وأنه يريد التركيز على الداخل الأمريكي في الإنفاق على تنمية البنية التحتية وتوفير الوظائف.

ثانيا.. إن ترامب أعلن أن أولوياته التاكيد على محاربة الإرهاب وبالتالي فإن إيران تعتبر حليفا طبيعا وستراتيجيا في الحرب على التطرف السني كما يدعي قادتها الذين أعلنوا أنهم يستنكرون على الرئيس الأمريكي إهماله المتعمد للدور الإيراني في الحرب على الإرهاب، وهذه الرسالة المشفرة يمكن أن يقرأها أي متابع للتصريحات الإيرانية اليومية، إذ يجد فيها رسائل بين السطور إلى دعوة ايرانية لإدارة ترامب بضرورة الاعتماد عليها كشريك لابد منه في تنفيذ ستراتيجية الإدارة الأمريكية في حربها على السلفية الجهادية التي تنتمي إلى المذهب السني وهو عدو تاريخي للشيعة.

ثالثا ... إن الدور الإيراني في سوريا لم يكن ممكنا أصلا لولا أنه تم بضوء أخضر إسرائيلي لانه من غير المعقول أن تقدم روسيا وهي الحليف الأكبر لإسرائيل، من غير المعقول أن تقدم الدعم والإسناد الجوي للميليات الشيعية الإيرانية في سوريا لو لم يكن ذلك في ضوء تنسيق عملياتي ولوجستي مع اسرائيل ..

رابعا .. إن وجود إيران قوية هو ضرورة وحاجة ستراتيجية للولايات المتحدة لكي تملأ نوعا من الفراغ أو على الأقل تمثل معرقلا للتمدد الصيني في آسيا الوسطى،وخصوصا أننا نعرف بأن الصين تمثل المنافس الأقوى للولايات المتحدة وأن الصين وتحجيمها تحتل أهمية قصوى في سلم أولويات صناع سياسة الأمن القومي الأمريكي ..

وبناءا على ماتقدم إضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بتركيا والسعودية ،يمكن القول أن العلاقة مع ولاية الفقيه ستشهد تصعيدا لفظيا قد يصل إلى اشتباك محدود ربما يتم من خلاله تقديم بعض التضحيات وصولا إلى تفاهم على أساس شروط صفقة جديدة تحقق منافع متبادلة للطرفين، ولايفوتنا التذكير بأن ترامب رجل تجارة يعتبر السياسة صفقة فهو ليس رجل سياسة ولكنه رجل صفقات سياسية فحسب ..

 

مقالات متعلقة