رئيس التحرير: عادل صبري 03:48 مساءً | الاثنين 19 نوفمبر 2018 م | 10 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

مارلين مونرو التي لا يعرفها أحد

مارلين مونرو التي لا يعرفها أحد
13 مايو 2017

مارلين مونرو التي لا يعرفها أحد

نورا ناجي

مارلين مونرو التي لا يعرفها أحد

 

يقولون كانت مارلين مونرو مكتئبة جداً..

 

يقولون أنها كانت تعاني من الكثير من المشاكل النفسية والأرق، لدرجة أن يصف لها الطبيب منوماً تعاطته بجرعات عالية حتى وجدوها ملقاة مرمية في منزلها بلوس أنجلوس عن عمر 36 عاماً صباح يوم 5 أغسطس من عام 1962.

 

يقولون أن حياة هوليوود البراقة الزائفة تنهك أي شخص، تجعله أقرب للجنون، ينقسم إلى نصفيين، نصف شغوف بكل هذه الأضواء والمال والشهرة والنفوذ، وجزء آخر لايريد سوى أن يترك وشانه، وحيداً هادئاً بلا مشاكل.

 

لكن هذا ليس السبب الحقيقي الوحيد الذي دفع بمارلين إلى الاكتئاب، السبب في رأيي كان اللحظة التي نقلت فيها أمها إلى المصحة العقلية، بعد انهيارها فجأة على سلم بيت كانت تأمل أن يكون بيتها ذات يوم، وقتها حُبست نورما الطفلة في المطبخ حتى لا ترى أمها على هذه الحالة، لقد كانت الطفلة تتلقى الأوامر فقط طيلة الوقت، لدرجة لم تسمح لها حتى بالخروج وإلقاء نظرة على والدتها قبل أن تبتعد، وتبتعد معها آمالها العريضة في العيش تحت سقف بيت يحتويها، مع أمها الحقيقية وليس مع الأمهات البديلات اللاتي لم يفعلن شيئاً سوى استغلالها في غسل الأطباق وتنظيف الأرضيات.

 

إنها نسخة بائسة وقاسية من قصة سندريلا، لكن الأمير الساحر لم يكن رجلاً، بالعكس كان الرجال في حياة سندريلا يقومون بدور زوجة الأم الشريرة، بينما كانت السينما هي أميرها ومنقذها، الأمير الذي بدا كأي أمير آخر، رخوا ولزجاً بلا فائدة، نعم منحتها المال والماس والشهرة، لكنها سلبتها الكثير، سلبتها روحها التي لم يراها أحد، خلف قناع باهر من الجمال والإثارة، لم تتعمد وضعه أبداً.

 

طفولة قاسية وأحلام يقظة

"اكتشفت أن الناس كانوا دائماً ما يأمرونني أن أتوقف عن فعل أشياء أحب أن أفعلها".

 

تبدأ مارلين مونرو مذكراتها غير المكتملة التي نسقها السيناريست بن هكت وترجمها باسم محمود، والصادرة عن دار المدى، باستعادة بعض لقطات من طفولتها التعيسة، كانت أقواها عندما وقفت أمام صورة باهتة لرجل يشبه كلارك جيبل هو والدها الذي لم تراه، ولم تحدثها أمها عنه أبداً، ربما لهذا السبب تعلقت مارلين بالسينما، علها ترى جيبل الحقيقي وهو ما حدث بعد ذلك فعلاً، لكنها رأت رجل حزين بائس يقف في ركن منزوي من حفل ما، يمسك بكأسه ويبتسم بمرارة.

 

كأي طفلة تعيسة وفقيرة أخرى، عاشت نورما جين في أحلام يقظتها، هذه الأحلام التي يأتي فيها أبوها أمام كل الأطفال اآخرين ليحتضنها، أو التي ترتدي فيها أفخم الفساتين بدلاً من فستان الملجأ الأزرق، والتي تحظى فيها بطفولة عادية، حرمت منها مرتين، مرة مع ضعف إمكانيات أمها التي تركتها لبيوت الرعاية مقابل 5 دولارات أسبوعياً، ومرة أخرى عندما فقدت الأم عقلها بعد أن اعتقدت الفتاة ان الوقت الصعب قد انتهى، باستقرار مادي ومنزل متواضع وبيانو أبيض عتيق.

 

لكن الفقر واليتم لم يكنا مآساة نورما الأكبر، الحقيقة أن لعنتها الحقيقية كانت في شكلها الجميل، وشعرها الأشقر وجسمها المثالي، نورما التي حباها الله بعينين تقطر شغفاً كانت تتمنى لو تحرم منهما، صوتها المبحوح والذبذبات الجنسية التي تصدر منها دون إرادة كما أخبرها مدربها ميشال تشيكوف،، كلها أمور لم تتعمدها، ولم تطلبها، وحتى أنها لم تساعدها في النجاح بسرعة كما هو متوقعاً، بل سببت لها جميع أنواع المشاكل واللصعوبات، من اليوم الأول الذي سارت فيه على الشاطيء بثوب السباحة وسط تصفير الجميع، إنتهاء بعثورها على وريقة صغيرة بين أوراق زوجها آرثر ميلر يعترف فيها بأنه يخجل منها.

 

الذي لم يعرفه أحد عن نورما

" هوليوود مكان يدفعون لك فيه 100 دولار مقابل قبلة و5 سنتات مقابل روحك. أعلم ذلك لأني رفضت العرض الأول مراراً وتكراراً وقاومت السنتات الخمسة".

 

كان بإمكان الفتاة الصغيرة التي تعرضت للانتهاك الجسدي في سن الثامنة على يد واحد من آبائها البديلين، أن تستغل جسمها وجمالها في الثراء والشهرة في لحظة واحدة، لقد كانت حياتها بعد أن تحولت للمثلة المغمورة مارلين عبارة عن سلسلة من تحرش الرجال ذوي المناصب بها، لكن الذي لم يعرفه عنها أحداً أنها لم تمنح جسدها سوى للرجال الذين أحبتهم بحق، ورغم أنهم خذلوها كذلك، إلا أنها نجحت في عدم خذلان نفسها على الأقل.

 

ربما كانت واقعة الانتهاك في طفولتها هي ما جعلتها تقرر تقديس هذا الجسد وتقرير مصيره كما تشاء، لذا لم تحظ مارلين بفرصتها مثل باقي النجمات، على طريقة صناعة النجمة الذي تتخذه الاستديوهات الكبرى وسيلة مضمونة لتحقيق نجاح أفلامها، الفتاة التي خلقت عداوات مع معظم رؤساء اللستديوهات وزوجاتهم بسبب كرامتها ورفضها لعروش مشينة من ذئاب بشريين، نجحت فقط بالحب الجماهيري الكبير، القبول الإلهي الذي لا يمكن مجادلته، لأنها كما تقول، لم تنتمي لأي عائلة أو أي شخص طيلة حياتها، إنها تنتمي لهذا الجمهور، وهو ما دفع بها أخيراً نحو النجاح.

 

يقولون أنها لم تكن "فوتوجونيك" أمام الكاميرا، وأنها مجرد لعبة جنس باهتة، وأنها جاهلة حمقاء وغبية.

 

لكنهم لم يقولوا أبداً أنها كانت حريصة على القراءة طيلة الوقت، كنت تدرس الفن والأدب والسياسة كذلك طيلة الوقت، كانت تأخذ دروساً في التمثيل طيلة الوقت، أما الشغف في عينيها فجريمة مضحكة، يعاقب عليها مطلقيها.

 

لا لا لاند ومارلين مونرو

"معجبيَّ جميعهم كانوا يقولون نفس الشيء بأساليب مختلفة. أنها كانت غلطتي؛ وهي رغبتهم في أن يقبلوني أو يحتضنوني. البعض كان يقول أنّ السبب كان هو الطريقة التي أنظر بها إليهم؛ بعينيَّ المملوءتين بالشَّغف".

 

ربما يكون كاتب فيلم لالا لاند قد اقتبس جزءاً من حياة مونرو في فيلمه، فكلتا البطلتين كانتا تسعيان للصعود كنجمة شهيرة، وكلتاهما أحبت عازف بيانو وسيم ومتشائم، وكلتاهما قررتا تركه بسبب أنانيته وحماقته.

 

لكن مارلين لم تعش حياتها في أجواء براقة ملونة فنية مثل إيما ستون، ترقص على السحب وتقف أمام بحيرات من لوحات فان جوخ، الشقراء البائسة كانت حياتها كئيبة وسوداوية كلوحات جويا.

 

النظرات تطارد جسمها طيلة الوقت، الغيرة الجنونية من النساء والشهوانية القاسية من الرجال، ما هي فرص الفتاة المسكينة-التي لا تزال تسد نقص نورما جين الفقيرة بنقع نفسها في البانيو بالماء المعطر لساعات بعد أن كانت تستحم في ماء قذر من بقايا من سبقوها- في مقاومة كل هذا العالم وحدها؟

 

ما بين نقص نورما الذي كان يدفعها لأن تحلم بخلع ملابسها والسير عارية للفت الانتباه والحصول على الحب، وبين مارلين التي زهدت كل شيء ولم ترد سوى بعض الهدوء، تحدث النهاية المأساوية، والموت المفاجىء.

 

كانت نورما جين حتماً فريدة، لكن المجتمع لم يسمح بموجود شقراء فاتنة تتمتع بالكرامة والشغف، لم يصدق أن امرأة بكل هذه الإمكانيات لا تريد أن تستغلها لنجاح زائف، لم يقبل أن تصر على أن تكون ممثلة حقيقية وليست واجهة جميلة، بأن تكون زوجة وليس زينة للمائدة، بأن تحصل على الحب الذي تستحقه، وليس العار أو الشفقة.

 

لقد ماتت مارلين مونرو عدة مرات، تشظت روحها لآلاف القطع الدقيقة وتناثرت في الهواء دون أن يأبه أحد، من الظلم أن تُسجن امرأة في شكلها.. من الظلم ألا يرى العالم الروح وراء أي وجه وجسم، سواء كان جميلاً أو قبيحاً..أن يقرر درجة ذكائها بناء على لون شعرها، وأن يحتقرها بهذا الشكل رغم فرادتها.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية