رئيس التحرير: عادل صبري 01:35 صباحاً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

العلبة دي فيها إيه؟

العلبة دي فيها إيه؟
11 ديسمبر 2016

العلبة دي فيها إيه؟

جمال الجمل

(1)

أفكر أحيانا أن مصر تعيش حالة "هزار بايخ"، أو أنها تعاني من "كابوس يقظة" طويل ومرير، ترى فيه توفيق الدقن يسحبها بعنف على الملأ أمام المارة اللاهين، يشدها من أذنها بيده اليسرى، ويصفعها باليمنى في مشهد مهين وهو يسألها: العلبة دي فيها إيه؟

 

تتذكر مصر تقرير المستشار جنينة، وبلاوي الواقع المتدهور الذي تعيشه، فترد بصراحة: فيها فساد.

 

هذا التغافل عن تدني الأداء الشرطي، وخروجه عن المعايير الدولية، هو نوع من "الفساد" الذي يكبر ويفرخ "الإرهاب"، فالتعذيب في السجون وأقسام الشرطة "فساد يؤدي إلى إرهاب".

 

يزيد الدقن من صفعاته المهينة، وهو يملي عليها الإجابة التي يريدها: العلبة فيها إرهاب..

 

فيها إيه؟!... قولي ورايا، فيها إرهااااااب.

 

ولا يتركها إلا بعد أن يقهرها، فتردد خلفه بفزع: فيها إرهاب. وتجري في الشوارع مذعورة وهي تردد: فيها إرهاب.. فيها إرهاب!.. العلبة في إرهاب، بينما العلبة مليئة بالقمع، وبالجهل، وبعشوائية القرارارات.. مليئة بالفساد.

 

(2)

لقد أصبح الفساد من معالم مصر مثل الهرم والنيل، لم يعد شيئا مخجلا، بالعكس أصبح مصدراً للفخر، وطريقا للثراء والشهرة والمهابة والصعود الاجتماعي، هذا إعلام العباسيين يتفانى ليبرر وجوده بتعاطف رقيع، كما بررت دينا أسطواناتها المدمجة مع حسام أبو الفتوح، ويجمله كما سعى "أبو لمونة" لتجميل فودة وأحمد عز الحديدي، ويبحث له عن أسباب التمدد والتوغل والانتشار بأريحية ومشروعية باعتباره "الابن المدلل للضرورة"، وذلك هو البرلمان يحميه بمظلة من التشريعات التي تجعله حقيقة العصر، بل الحقيقة الوحيدة التي تضمن لك النجاح، وعدم الاصطدام بالسلطة الغاشمة، لكن هل الفساد هو سرقة الأموال والأراضي وفقط؟.

 

طبعا لأ.. فهناك اشكال كثيرة وعميقة للفساد، تعالوا نتخابث ونقترب من أحد أشكالها المتخفية..

 

(3)

مصر تعيش أجواء الحداد، على كل ما هو رسمي فقط، بينما الناس كل يوم من الجوع والقهر والتعذيب، تموت في طوابير العلاج أمام المستشفيات المهملة، وفي أقسام الشرطة، وتخسر طعم حياتها تحت وطأة الأعباء الطاحنة، ولا يحزن عليهم مسؤول، ولا يتذكرهم مذيع عباسي، لهذا لم أعد أصدق "لعبة الحداد"، ولم أعد أصدق أن الشهداء فقط هم الجنود الذين يموتون في أكمنة الأمن ودرويات الشرطة!، لم أعد أصدق أن صكوك الجنة صارت مرهونة بختم النسر، ولم أعد أصدق أن السيسي قدرته من قدرة الرب.

 

(4)

لا أدعو للاستهانة بحياة الجنود، لكنني أدعو للاهتمام بحياة كل مصري، وكل إنسان.. مدنياً كان أو عسكرياً، وأدعو إعلام العباسيين، ودولة العباس كلها لاعتبار مجدي مكين شهيدا، وشيماء الصياغ شهيدة، وكريم حمدي شهيدا، ومصطفى ابراهيم، وعزت الغرباوي، إمام عفيفي، وعماد العطار، وأحمد ابراهيم، وعادل عبد السميع، ومصطفى الأسواني، وعشرات الذين قتلوا بالصعق والتعذيب داخل مقار رسمية في "دولة نور العيون"، بالإضافة إلى ضحايا الشوارع المستباحة مثل السائق القتيل أمام مديرية امن القاهرة، وبائع الشاي في الرحاب، وضحايا إهمال وفساد الدولة في كل قطاع ومجال ومكان.

 

(5)

لا تعجبني قصة الجنازات الرسمية، والعلم الملفوف حول النعوش، وكلمات التأبين الموسمية التي لا تبرد قلوب الأمهات، ولا تصريحات المسؤولين المخادعة عن خطورة الإرهاب الفردي على الدولة، لأن كل هذه المظاهر تصرفنا عن محاربة الإهمال الذي أدى إلى مقتل أولئك الفقراء المأمورين من الجنود، ومن قبله إلى مقتل أولئك الفقراء المحتجزين رهن التحقيق كأمانة في رقبة الدولة وأجهزتها، ولأنني ممن يعتقدون التفرقة بين ضحية وضحية جريمة دستورية، واستغلال رخيص لقيمة الموت، بما يجعل الدولة نفسها أشبه بـ"منظمة إرهابية" تجند افرادها بأكاذيب غير حقيقة، وتقنعهم بأن الموت من أجلها هو الطريق إلى الجنة، وهي نفس الأساليب التي تتبعها جماعات الإرهاب التي تستخدم نفس الطرق لغسل دماغ عناصرها، لهذا فإنني أحذر من أن هذا التشابه سيؤدي عاجلا أو آجلا إلى عدم التعاطف مع ضحايا الشرطة في حوادث الإرهاب، فهناك من يرى أن العنف الذي تمارسه الشرطة ضد المحتجزين، وضد الجمهور في الشارع أيضا، مبرر كاف للعنف الذي يمارسه آخرون ضدها كنوع من القصاص، أو العودة لتقاليد الانتقام الفردي ذات الطابع الغريزي والبدائي، وساعتها لن ينفع الاكتفاء بلوم ومعاقبة "رد الفعل" بينما تتغافل الدولة بقوانينها وإعلامها عن الفعل نفسه الذي يشعل محرك العنف.

 

(6)

هذا التغافل عن تدني الأداء الشرطي، وخروجه عن المعايير الدولية، هو نوع من "الفساد" الذي يكبر ويفرخ "الإرهاب"، فالتعذيب في السجون وأقسام الشرطة "فساد يؤدي إلى إرهاب"، وغياب المحاسبة والعقاب "فساد يؤدي إلى إرهاب"، والتفرقة بين "رسميين محصنين" و"مواطنين دمهم مباح" هي أيضا "فساد يؤدي إلى إرهاب"، وبالطبع فإن القياس يكون دائما على الصحيح لا الخطأ، بمعنى أنني لا أفتح هذا الملف لأبرر للإرهابي افعاله باعتباره "رد فعل" على إرهاب مارسته الدولة أو افراد منها ضده، لكنني أنبه إلى ضرورة تخلي الدولة عن فسادها وإرهابها لتتوقف آلة العنف عن الدوران، ولتتضح نوارع الشر والتآمر عند "الإرهابيين" الذي يتورطون في جرائمهم لأغراض تتعلق بفساد أفكارهم ومشاريعهم، دون أن يختلط ذلك مع مواطنين أسوياء تم الاعتداء عليهم أو تدمير حياتهم، فوقعوا تحت تأثير الرغبة في القصاص والانتقام.

 

(7)

قد يقول قائل، لكن الجنود أفراد من الشعب، والجيش هو "الشعب مسلحاً"، ونحن إذ نكرم الجنود الشهداء، فإننا نكرم الشعب لا السلطة، لكن هذا الحديث مجرد تجارة عاطفية لتمرير خطيئة "سادة وعبيد" فالجندي لا يملك مشروع سلطة ليدافع عنه، إنه يدافع بقوة الأمر عن مشروع للسلطة، وليس عن مشروع لحياته التي يتمناها، فالخديعة معروفة ومفقوسة، وكشفتها على الشاشات ماساة الجندي البريء أحمد سبع الليل رضوان الفولي، الذي اكتشف أن أعداء الوطن و"أهل الشر" كما لقنه قادته في معسكرات التجنيد والتسخير، ليسوا إلا أنبل من فيه، ولهذا فلا مخرج من هذا الاقتتال الداخلي الذي يهدد بتدمير المجتمع إلا أن تتوقف الدولة عن فسادها إرهابها، كمقدمة ضرورية ولازمة لعلاج مشكلة الإرهاب، ولن يتم ذلك إلا بتحقيق العدل لكل الناس على السواء، والحفاظ على كرامة كل مواطن، وتوفير مستوى لائق بمعيشته بعيدا عن الفقر والقهر والمرض، وأظنها هي نفسها أهداف ثورة يناير وأهداف كل ثورة في كل مكان وزمان: العيش (اختصارا للعدل الاجتماعي ومستوى المعيشة).. الحرية (اختصارا لحرية الفرد دون تعارض مع حرية الآخرين).. الكرامة الإنسانية (اختصارا لمقام المخلوق الذي كرمه الله سبحانه وتعالى).

 

لقد أصبح الفساد من معالم مصر مثل الهرم والنيل، لم يعد شيئا مخجلا، بالعكس أصبح مصدراً للفخر، وطريقا للثراء والشهرة والمهابة والصعود الاجتماعي!

 

(8)

بالمناسبة، يحضرني الآن ردٌ على توفيق الدقن: العلبة فيها فساد.. وفيها إرهاب أيضاً، لكن أوله هو إرهاب أياديكم التي تشد المواطن المسالم من أذنه، وتهين كرامته، وتصفعه على القفا، وتصعقه بالفقر والقهر والكهرباء، فافهموا تسلموا.

 

tamahi@hotmail.com

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية