رئيس التحرير: عادل صبري 07:45 صباحاً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

ثورة ١٩٥٢ غير المكتملة

ثورة ١٩٥٢ غير المكتملة
24 يوليو 2017

ثورة ١٩٥٢ غير المكتملة

هاني بشر

تعاني الذاكرة الوطنية المصرية من أزمة تسييس كبيرة. فدائما ما نحاكم الماضي بأحداث الحاضر في ظل عدم وجود شفافية في تداول المعلومات الرسمية والوثائق الحكومية.

 

وفي ظل هذا الاستقطاب في الرواية التاريخية يمكن أن تنشأ لدى كل مجموعة مصرية سرديتها الخاصة للأحداث تتوافق مع ميولها السياسية وقناعاتها الأيدلوجية من دون اعتبار للسياق التاريخي الموضوعي. وتعد ثورة ١٩٥٢ إحدى المحطات الكبرى لهذا الجدل والاستقطاب. فهي مشروع تحرر عروبي قومي عند الناصريين وكثير من طبقات الشعب بالنظر للأهداف والغايات التي قامت من أجلها وهي انقلاب بغيض عند الإخوان والإسلاميين بالنظر لمآلات الأمور. لهذا ينبغي علينا أن نتوقف قليلا عند هذه اللحظة لتقييمها وفقا لمعايير الثورة والإطار الوطني العام بعد أن أصبح لدينا ثورة أخرى في عام ٢٠١١.

 

لا يماري أحد في أن حركة ضباط الجيش عام ١٩٥٢ كانت مدعومة بإرادة شعبية رأت فسادا كبيرا في الحكم والأحزاب وكانت تتوق لانتزاع استقلال وطني كامل في موجة التحرر الأولى من الاستعمار الأجنبي. وكان الإخوان في طليعة القوى الشعبية التي وقفت بجوار الثورة من أول يوم بل ومن بداية التخطيط لها. وهذه حقائق تاريخية لا ينكرها أحد وذكرها مؤرخو الإخوان والمؤرخون الناصريون، حتى إن السيناريست وحيد حامد ذكرها في مسلسل الجماعة ٢ الذي عرض في رمضان الماضي.

 

المشكلة كلها أن ما حدث في عام ١٩٥٤ هو بيت القصيد أو الانحراف الأكبر في مسيرة هذه الثورة سواء في علاقتها بالإخوان أو الرئيس محمد نجيب أو الديموقراطية بشكل عام. ومحاكمة ثورة يوليو بالنظر لعام ١٩٥٤ وما بعده كمن يحاكم ثورة يناير بالنظر لعام ٢٠١٣ وما بعده. هناك في كلا المرحلتين سياسيون وحركات وشخصيات أخطأت وأصابت لكن المهم أين كانت البوصلة الوطنية وقتها؟ ما الذي كانت تتوق إليه الجماهير؟ وأين أحلام الشباب وأمانيهم؟ كل هذه أسئلة مهمة.

 

في عام ١٩٥٢ كان هناك مشروع استقلال وطني حقيقي في مصر يرنو نحو التحرر، وكانت مياه الوطن تغلي والبيئة الدولية مهيأة لحدث جلل حتى أخذ مجموعة من شباب الضباط المبادرة وأجبروا الملك على التنازل عن العرش لابنه. لم يكن انقلابا بالمعنى الكامل. كانت البلد مرشحة لأن تكون ملكية دستورية ديموقراطية. فكل الملكيات الدستورية العريقة مثل بريطانيا مرت بتجارب مشابهة وتدخلات من قوى شعبية أو رسمية للضغط على القصر من أجل انتزاع صلاحيات أكبر للشعب وممثليه في إدارة البلاد. وهذه هي الصيغة التي تخلى بموجبها الملك فاروق الأول رحمه الله عن العرش. فهو لم يتنازل عن حكم مصر لصالح مجموعة من الضباط بقدر تنازله لابنه وسلم الحكم مؤقتا لقوى ثورية شعبية تطالب بالديموقراطية على رأسها مجموعة شباب من الضباط يقودهم لواء. وهذا أول درس يجب أن نعيه جيدا لأن إعلان الجمهورية لم يحدث سوى في العام التالي.

 

لقد كان دستور ١٩٥٤ الذي شاركت كل فئات الشعب في كتابته من أهم الدساتير المصرية الحديثة من ناحية الحقوق والواجبات. وشارك في صياغته الفقيه الدستوري المستشار عبد الرزاق السنهوري باشا والقيادي الإخواني الذي أعدم في العام ذاته المستشار عبد القادر عودة وغيرهم. وكنت أتمنى أن يكون هذا الدستور هو المرجعية لدستور ٢٠١٢ بدلا من الاستقطاب الذي شهدته الجمعية التأسيسية وقتها. وكما هو معروف لم يأخذ مجلس قيادة الثورة وقتها بهذا الدستور وظل مسودته طي الكتمان حتى نشرها الكاتب صلاح عيسى عام ٢٠٠١ في كتاب بعنوان "دستور في صحيفة القمامة".

 

إن ٢٣ يوليو ١٩٥٢ هي ثورة حقيقة محمولة على أكتاف مفكرين وكتاب وحركات شعبية. ولم يجهز عليها سوى سلسلة من الانقلابات على الإرادة الشعبية عام ١٩٥٤ بدأ من عزل الرئيس نجيب وليس انتهاء بإهمال الدستور الذي صاغه ممثلو الشعب من مفكرين وفقهاء وسياسيين. لقد كسر عبد الناصر مصباح الديموقراطية فمضى في مشروعه التحرري والعدالة الاجتماعية يتخبط يمنة ويسره حتى انهار المشروع الوطني العروبي الطموح.

 

والدرس الأكبر المستفاد من ثورة ١٩٥٢ ليس فقط أن العسكر لابد أن يعودوا لثكناتهم ولا يحكمون بشكل مباشر ولكن ألا يتم تحميل خطايا الحقب السياسية لجهة واحدة والانتقام منها لاحقا. لأن هذا بالضبط ما حدث وقتها حين كانت الأحزاب مفتتة منقسمة تعاني من الفساد والاستقطاب، فتم حلها باعتبارها عنوانا للماضي.

 

في الدولة القوية التي نريدها لابد أن يكون بها أحزاب قوية كما يجب أن يكون فيها جيش قوي. القوى الصلبة والناعمة لازمة وضرورية للسير في هذا العالم المضطرب. فلو كانت نجحت ثورة يوليو ما كانت لثورة يناير أن تقوم رافعة الشعارات ذاتها من حرية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية. وإذا أردنا أن نحتفل بحق بذكرى ثوراتنا فليكن الاحتفال ب ١٩٥٢ و٢٠١١ وليس ١٩٥٤ أو ٢٠١٣ لأن هذان العامان الأخيران هما بداية انحراف عما يطلبه الناس وذكرى طعن للديموقراطية في مقتل.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية