رئيس التحرير: عادل صبري 03:31 مساءً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

شيخ فيشاوي: حكاية جيل بلا بوصلة

شيخ فيشاوي: حكاية جيل بلا بوصلة
17 مارس 2018

شيخ فيشاوي: حكاية جيل بلا بوصلة

أحمد مدحت

شيخ فيشاوي: حكاية جيل بلا بوصلة

(1)

مثل كثير من مواليد أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، في القرن الماضي، تعلَّق الفتى المراهق بالمطرب العالمي مايكل جاكسون، الذي كان في مرحلة من التسعينيات هو صاحب الشُهرة الأكبر بين مطربي العالم.

 

بدأ الأمر بحب الاستماع لألحان وكلمات أغانيه، ثم تطور الأمر لحالة هوس وتعلُّق كامل بالمطرب نفسه؛ فأصبح الفتى يحاول تقليده في كل شيء؛ مشيته وطريقة غنائه، وأزياؤه وقصة شعره الغريبة إلى حد ما؛ مما يتسبب في صدام بين الفتى وأبيه، الخائف على المراهق بطبيعة الحال.

 

يكبر الفتى، وتتغير أحواله تمامًا؛ فيصبح شابًا سلفيًا ملتحيًا، تسير حياته على نمط ديني محافظ؛ وكأنه شخص آخر لا علاقة له بالمراهق الذي كان يتشبه بملك "البوب" في كل شيء.. كل هذا كان حتى جاء يوم معين، تغيّرت بعده حياة الشيخ، ولم تعد كما كانت أبدًا، بعد أن سمع خبر وفاة فارسه القديم مايكل جاكسون، وهو يقود سيارته، ومنذ هذه اللحظة، ظلّ شبح جاكسون يطارده، ويعصف بحياته وأفكاره ومعتقداته؛ مما يجعله يعيد طرح أسئلته من جديد بخصوص كل اختياراته الفكرية في حياته المتقلبة.

 

هكذا يروي فيلم "شيخ جاكسون" حكاية شاب مصري، ربما تشبه حكايته - بشكل أو بآخر- حكاية الكثير من الشباب المصري؛ من حيث التقلُّب في الاختيارات الفكرية والانحيازات من الشيء إلى نقيضه.

 

مخرج الفيلم عمرو سلامة قال أن الفيلم مُستوحى بشكل كبير من حياته الشخصية، ومن هوسه خلال مراهقته بمايكل جاكسون؛ لدرجة جعلت أهله يخشون عليه؛ بسبب هوسه الشديد في تقليده.. ولا أظن أن بطل الفيلم أحمد الفيشاوي بعيد عن الحالة التي تناولها فيلم شيخ جاكسون.

 

(2)

انتقل أحمد الفيشاوي في حياته الشخصية من حالتين على النقيض تمامًا؛ من حيث الانحيازات الفكرية: من شاب يسير في ركب الداعية الإسلامي الصاعد وقتها بقوة عمرو خالد، ويخرج في لقاءاته التليفزيونية يدافع عن الحجاب، ويهاجم المشاهد الجريئة في السينما.. إلى شاب يتفاخر بحريته في ارتداء حلق ألماظ في أذنه، ولا يخجل من الاعتراف بأنه يشرب الخمر أحيانًا، وتملأ رسوم الوشم جسده، وكل هذا مُغلَّف بحالة هيستيرية من الرغبة في إثارة الجدل ولفت الأنظار بشكل أو بآخر؛ مما دعا البعض إلى التلميح لإصابة الشاب بحالة عميقة من الاكتئاب؛ تدفعه لمثل هذه التصرفات الاستعراضية، كأنه يسعى لجذب الاهتمام، وبعض التعاطف والمحبة، وهي فرضية تستحق التفكير.. فالفيشاوي هنا أثقل من مجرد ممثل شاب يهتم الإعلام والكُتّاب بتحليل تصرفاته وأفعاله؛ فهو يمثل حالة من التخبُّط تضرب في جيل كامل من الشباب المصري.

 

(3)

قال لي صديق في مرة: "إحنا الجيل اللي شاف مُثله العليا بتموت وتعفن وتتفضح وهي لسة فيها الروح؛ فقرر يدفنها ويكمل بدماغه من غير ما يلاقي حد ياخده كقدوة".

 

كُنّا نتحدث يومها عن الذين كانوا قدوة لنا، من المثقفين والفنانين، ثم خذلونا باختياراتهم، التي انحازت للاستبداد وداست الحرية؛ فاختاروا الماضي على حساب المستقبل؛ فكان فراقًا بيننا وبينهم.

 

لا أظن أن جيلًا من الشباب تعرَّض لخذلان واسع مثل مواليد جيلي مواليد الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.. لم يكن الخذلان سياسيًا فقط؛ بسبب ثورة يناير التي انهزمت في موجتها الأولى؛ لقد كان الخذلان عميقًا بسبب تنوُّع مَن خذلونا؛ فهناك من خذله كاتبه، ومن خذله ممثله المفضل، وهناك من خذله شيخه، وهذا أكثر فداحة؛ فهناك الكثير من ملحدي اليوم لا يعرفون عن الإلحاد بصدق إلا كونه صرخة غضب ضد كل ما صدمهم وداسهم في طريقهم.

 

ومن قبله خذلتنا الدولة خذلانًا مبينًا؛ فتعلمنا تعليمًا سيئًا لا يكاد يرقى لسد أولويات التعلُّم لدى الإنسان؛ فلجأ كل منّا ليعلم نفسه بنفسه خارج المنظومة الرسمية، وكان للإنترنت الفضل الأكبر في هذه الخطوة.. ومن هنا كانت بداية الحكاية؛ حكاية التشتُّت والتخبُّط التي يسبح معظمنا فيها حتى الآن.

 

نحن أبناء أنفسنا؛ جيل نُزِع من جذوره، وشاهد مَن تعلّم منهم يقفون عُراة في حضرة الاستبداد، يمارسون التنكيل بكل أفكارهم ومبادئهم التي علّموها لنا يومًا ما.. ليست الأزمة في الهزيمة المرحلية للثورة فقط؛ فنحن جيل غير مُشبَّع، لا بالثورة ولا بالهزيمة، لا بالتديُّن ولا بالتحرُّر؛ فليس غريبًا عندها أن تجد فينا كل هذا التخبُّط من الأقصى للأقصى.

 

لكني لا زلت أعتقد أننا - يومًا ما - سنجد طريقنا؛ طريقنا الذي سنكون قد دفعنا ثمنه مقدمًا وبالكامل.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية