رئيس التحرير: عادل صبري 06:49 مساءً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

ما فعله الفاشي ببلده !

ما فعله الفاشي ببلده !
26 يوليو 2016

ما فعله الفاشي ببلده !

صفوان محمد

مع بداية تولي هتلر حكم ألمانيا، كان يبدو أن الأغلبية الساحقة من الألمان غير مكترثة بمصادرة حرياتها الشخصية، وأن كثيرًا من ثقافتهم قد حُطمت واستبدلت ببربرية رعناء، وأن حياتهم وعملهم نظّما تنظيمًا عسكريًا.


في واقع الأمر كان الرعب والخوف من معسكرات الاعتقال يجثم في أعماق النفوس، فهي تنتظر أولئك الذين يخرجون عن الصف، أو من كان منهم شيوعيًا أو إشتراكيًا أو ليبراليًا زائدًا عن الحد، أو نصير سلم.

الغريب في الأمر أن الشعب الألماني في ذلك الوقت كانوا وكأنهم لا يشعرون بالضغط والعبودية اللتين تمارسهما هذه الديكتاتورية الغاشمة المستهترة، على العكس تمامًا فقد كانوا يساندونها بحماسة لا زيف فيها ولا تصنع. لقد أشاعت فيهم - بشكل ما - أملًا جديدًا وثقة جديدة وإيمانًا عجيبًا بمستقبل بلادهم.. ثقة في تحرير ألمانيا وجعلها دولة قوية عسكريًا.. تم ذلك وفق خطة ممنهجة كان من ضمن أركانها الرئيسيين وزير الدعاية "الإعلام" جوبلز. وكان هذا ما يريده معظم الألمان، وهم مستعدون لبذل التضحيات التي يريدها الزعيم منهم لتحقيق تلك الأمنيات: التضحية بالحرية الشخصية، التقشف في الطعام، والعمل الشاق الدائب، -كما كان يُطلب منهم- !

كان يجتمع يوميًا صباحًا في وزارة الدعاية رؤساء تحرير كل الجرائد اليومية في برلين مع مراسلي الجرائد التي تطبع، ليحدد لها "جوبلز"، أو أحد مساعديه، أية أنباء ينشرون وأية أنباء لا ينشرون، وأي افتتاحية مستحسنة لذلك اليوم، وتعطي تعليمات مكتوبة يوميًا لهؤلاء، علاوة على التعليمات الشفهية لئلا يحصل سوء فهم لتلك التوجهات. 

وبرغم ذلك كله كان هتلر من الذكاء بأن حل مشكلة البطالة في المانيا، حلًا كاد يكون كاملًا، ولم يأت عام 36 أي بعد سنتين من توليه مقاليد البلاد؛ حتى عاد كل فرد تقريبًا مكبًا على عمله، كان العمال الذين حرموا من نقاباتهم وحرية التنظيم يمزحون وأمامهم صحاف العشاء مملوءة طعامًا؛ قائلين: "في عهد هتلر على الأقل لم يعد هناك حرية الجوع"، وكان شعار "المصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة" هو شعار النازيين الشائع في تلك الأيام، ومع أن عددًا كبيرًا من رجال الدولة كانوا يكدسون المال في حزائنهم، ورجال الصناعة يزيدون في أرباحهم كثيرًا فلم يكن ثم شك في أن الجماهير قد انطلت عليها لعبة "القومية الاشتراكية" التي وضعت في الظاهر مصلحة المجتمع فوق منافع الفرد. "من قيام وسقوط الرايخ".

وانتعشت مصالح السياحة وجلبت إلي البلاد مبالغ طائلة من العملة الأجنبية التي كانت في أمس الحاجة إليها. كان هتلر وزعماء النازي ليس لديهم ما يخفونه عن أعين الغرباء والأجنبي يستطيع أن يدخل ألمانيا مهما كان خصمًا للنازية، وبإمكانه أن يرى ويتدارس كل ما يريد الاطلاع عليه باستثناء معسكرات الاعتقال والمنشآت العسكرية، فيدخل إليها الكثير ويخرج منها الكثير، معتقدين أنهم رأوا إنجازات إيجابية.

ومنحت دورة الألعاب الأولمبية ببرلين عام 1936، فرصة النازيين الذهبية ليدهشوا العالم بما حققوه من أعمال في الرايخ الثالث. أُزيلت لافتات "اليهود غير مرغوب فيهم" بكل هدوء من الفنادق والدكاكين ومحلات التسلية العامة، وتوقف اضطهاد المسيحية واليهودية بصورة مؤقتة، وظهرت البلاد في أحسن سلوك لها.

وعلي الرغم أن هتلر سحق الذين عارضوه، وصبغ ألمانيا كلها بالنازية، وحول البلاد إلي ثكنة عسكرية بمؤسساتها وثقافتها، ومصادرة حريات الفرد.. إلا أنه عمل علي محو البطالة وأدار عجلات الصناعة والتجارة بأقصى سرعتها، كل ذلك تم في خلال ثلاث سنوات من الحكم، ولكن تم كل ذلك من أجل أمنيتين رئيستين في حياته: توجيه سياسة ألمانيا الخارجية إلى الحرب والفتح، وخلق ماكينة عسكرية جبارة تساعده على تحقيق هدفه.

وكانت النتيجة الحتمية للديكتاتورية الغاشمة التي انتهجها هتلر، أنه مات منتحرًا، وترك خلفه انهيار اقتصادي وعسكري، وأصبحت ألمانيا مجرد حُطام.. قُصفت الأراضي الألمانية، ودُمرت مُدنًا بالكامل بالليل، مثل مدينة كولون ونوريمرغ، وتراكمت أكوام من الجثث من جراء القصف، قُتل أكثر من ستة ملايين ألماني، بالإضافة إلي 200,000 فرد لقوا حتفهم من خلال "برنامج القتل الرحيم النازي". 

وعندما تخلت ألمانيا عن فاشيتها حققت النهضة الاقتصادية، وانطلقت تدريجيًا للسوق الأوروبية، حتي أصبحت واحدة من أكبر دول الصناعة في العالم، حتى على مستوى التعليم والبحث العلمي، فقد احتلت المرتبة الأولى في أوروبا من حيث عدد براءات الاختراع، والثالثة علي العالم بعد الولايات المتحدة واليابان، وعلي المستوي العسكري أصبحت ثالث أكبر دولة مصدرة للسلاح في العالم. 

للفيلسوف والكاتب الإسباني خوسيه أورتيجا تعريف جامع للفاشية، يقول: "للفاشية ملامح غامضة لأنها تحوي أكثر المضامين تضادًا، فهي تؤكد على السلطوية وتؤسس للثورة، تحارب الديموقراطية المعاصرة، ومن ناحية أخرى لا تؤمن بالعودة لأي حكم سابق. ويبدو أنها تقدم نفسها باعتبارها صورة للدولة القوية، بينما تستخدم أكثر الوسائل قدرة على تفكيكها، وكأن الفاشية فصيل هدام، أو جماعة سرية. وأيًا كانت طريقة تناولنا الفاشية، فسنجد أنها تمثل الشيء ونقيضه في الوقت نفسه".

هذا ما يفعله الفاشيون ببلادهم، وذاك مصيرهم الحتمي لسنوات استبدادهم، هكذا تُخبرنا صفحات التاريخ، لنعي منها دروس وعبر الماضي، وألا نكرر ممارساتهم وأخطائهم؛ كي لا تلقي أوطاننا نفس ذات المصير، ولكن أثبتت التجارب أن المستبدين الجدد لا يعوا شيئًا عن أسلافهم المستبدين، برغم أنهم يسيروا بخطوات حثيثة ودؤوبة نحو نفس المصير، لهم ولبلادهم.. وبرهنوا بأفعالهم بأن هتلر وستالين وموسوليني وغيرهم من الفاشيين برغم انحطاطهم وجبروتهم إلا أنهم امتلكوا الحد الأدنى من الذكاء، الذي جعلهم برغم كل شيء ونحن نسطر أسمائهم أن نكتب ما حققوه من إنجازات حتي لو كانت مجرد مسكنات وقتية، ونحن لا نملك من الأمر شيئًا سوى أن ندعو الله أن يجنب بلادنا حماقات هؤلاء الهواة الجاثمين على أنفاس العباد والبلاد.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية