رئيس التحرير: عادل صبري 10:30 صباحاً | الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م | 05 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

من أوراق شعب لا يثور (2)

من أوراق شعب لا يثور (2)
09 يونيو 2016

من أوراق شعب لا يثور (2)

صفوان محمد

ما هى الدوافع التي تجعل الشعوب تثور؟ وهل لثورتها مقدمات؟ وهل هناك علاقة بين النخب المعارضة -إن صح التعبير- المتصدرة المشهد السياسي، وبين ثورة شعوبها؟


وقد يكون نضال الجماهير ضد الحاكم المستبد، أو ضد المحتل الغاشم، مرتبط إرتباطًا وثيقًا بين الشعوب ومن يُمثلها أو من يتحدث بإسمها، من علمائها أو شخصياتها العامة، فعندما تمرض هذه النُخب أو تفتر عزيمتها، بالتبعية تهن عزيمة الشعب، خاصة في الأزمنة التي ساد فيها الجهل وتفشى الفقر.

يقول الغزالي إنما فسدت الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، فلولا القضاة السوء والعلماء السوء لقلّ فساد الملوك خوفا من إنكارهم.

مقدمات ثورة الشعوب معلومة للجميع فهي مقدمات إقتصادية وإجتماعية وسياسية بإمتياز، أما الدوافع التي تجعل الشعوب تنتفض فهي مرتبطة إرتباطًا طرديا بمن يحركها وتجعلها تثور، ودائمًا ما يكون المحرك لها هم من يمثلونها..

هناك فترات في التاريخ المصري إنتفض فيها الشعب وثار ضد الظلم، أو ضد الإحتلال، وهناك فترات أخرى فترت عزيمته، واستسلم للأمر الواقع، وهنت عزيمته وضعفت، ما بين هذا وذاك كان هناك قادة رأى وزعماء منهم من ضحي بماله وروحه فداء للوطن، ومنهم من فترت عزيمته ولم يقوى على الصمود واستسلم للمحتل الغاصب أو تعاون مع الديكتاتور الحاكم.

هذه الأيام كثيرًا ما تبلغ مسامعي كلمات على غرار، أن هذا الشعب يستحق ما حل به من أزمات إقتصادية طاحنة، لأنه ساهم في ترسيخ الدولة الديكتاتورية، صمت على ما يحدث من إنتهاكات، برر القمع والقتل، ولا يوجد ما يبرر أن يضحي أحدًا من أجله..

والواقع مهما بلغت هذه الفترة من ثُبات الشعب، ورضوخه للحاكم الفرد، كان هُناك فترات من التاريخ المصري ساد فيها الخوف والاستسلام، أكثر من ذلك بكثير، للدرجة التي جعلت الأسباب التي سيقت لدخول الحملة الفرنسية على مصر وقت حكم المماليك، أنها كانت غارقة -حرفيًا وليس مجازًا- في بحر من الظلمات، كانت أكثر فتراتها خضوعًا واستسلامًا لأقدارها.

كانت مصر في ذلك الحين غارقة في الظلمات؛ حيث الجهالة والفاقة، وكان السائد في ذلك الوقت وقبل دخول الحملة إلى مصر أنها لن تلقى مقاومة من جانب المصريين، لما رسخ في الأذهان وقتئذ من ميلهم إلى الخنوع وصبرهم على مظالم الحكام، ولكرههم حكم المماليك الذي أذاقهم الويلات من ظلم واضطهاد، وبرغم كل هذه الآشياء وبرغم صحة الكثير منها إلا أن المصريين دافعوا عن مصر ضد الحملة الفرنسية دفاعًا مستميتًا، وعظيمًا.

كنت قد كتبت مقالًا حمل عنوان "من أوراق شعب لا يثور" تحدثت فيه عن استبسال المصريين ودفاعهم عن أرضهم، ووقوفهم بقوة ضد المعتدي.. وكما ذكرت أعلاه أن نضال الجماهير مرتبط إرتباطًا طرديًا بمن يحركها وتجعلها تثور، ودائمًا ما يكون المحرك لها هم من يمثلونها من زعماء أو علماء.

ومن بين هؤلاء الزعماء الذين سطرت أسمائهم بحروف من ذهب داخل صفحات التاريخ، السيد محمد كُريم حاكم مدينة الإسكندرية، أحد القيادات التي تحظي بالحب والتقدير والاحترام، وكان له من النفوذ الأدبي بين الجماهير مكانًا عاليًا، دافع كريم عن مصر ووقف بقوة ضد الحملة الفرنسية واتهمته القيادات الفرنسية بالخيانة واثارته للجمهور ومحاولة زعزعة الأمن والاستقرار.

لم تر قيادات الحملة الفرنسية بُدًا من إعتقال محمد كُريم، وأعدت العدة لكي تفتر عزيمة الناس، وصعدوا الأمر ورأوا أن معاقبة كُريم ستجعل الناس ترتعد.. اتهموه بالخيانة وأمروا بتكبيله في الحديد، وأن يسجن هو وحاشيته، وصادروا أملاكه، وكان له من المال الوفير الذي يجعله يعيش عيشة رغدة هنية، له ولأبنائه من بعده. خيروه بأن يدفع في ثمانية أيام مبلغ 300 ألف فرنك، ويبقي معتقلًا، وإذا لم يدفع بالأقل ثلث المبلغ المفروض عليه في غضون خمسة أيام، فعلى الجنرال كليبر أن يأمر بقتله رميًا بالرصاص.

كان فقط على السيد محمد كُريم أن يهادن أو يتغاضي عن مقاومته للحملة الفرنسية وإثارة الجماهير؛ لكي يفتدي نفسه، خاصة أنه قادر على دفع فديته بسهولة، وكانت منزلته في نفوس المصريين قد عظمت بسبب إعتقاله، وانتشرت محبته في كل مكان..

كما ورد في كتاب الجبرتي -عجائب الآثار في التراجم والأخبار- عند إعتقال السيد كُريم خلد الأهالي إلى السكينة، وكفوا عن المظاهرات العدائية التي كانت تبدو لهم، أضعفت فيه روح التمرد والمقاومة، وأقام كليبر حفلة كبيرة ابتهاجًا بهذا النصر، على أن هذه الحالة ما لبثت أن تبدلت، وتغيرت نفسية الشعب تغيرًر محسوسًا على قد ما شد منها تضعضع الفرنسيين.. واضطروا في النهاية أن يتخذوا موقفًا حاسمًا معه، وأصدر نابليون أمره في 5 سبتمبر عام 1798 بإعدامه رميًا بالرصاص، ومصادرة أملاكه وأمواله، وسُمح له أن يفتدي نفسه بدفع غرامة ثلاثين ألف ريال في أربع وعشرين ساعة.


وكانت المفاجأة الكبري أنه لم يقبل دفع هذا المبلغ وأظهر جلدًا وشجاعة أمام حكم الإعدام، برغم أن نصحه بعض القيادات بأن يدفع الغرامة، وقالوا له أنك رجل غني فماذا يُضيرك أن تفتدي نفسك بهذا المبلغ؟ فأجابهم كُريم إذا كان مقدورًا على أن أموت فلا يعصمني من الموت أن أدفع هذا المبلغ، وإذا كان مقدورًا لي الحياة فعلام أدفعه، وظل على إصراره إلى أن نفذ عليه الحكم رميًا بالرصاص في ميدان الرملية يوم السادس من سبتمبر من عام 1798.

انقضت حياة كُريم وبقيت سيرته في صدر صفحات التاريخ تسرد حكاية مُناضل وطني، زهد الجاه والمال وإنحاز لشعبه وثار لأجله؛ فدفع حياته في معركة العزة والكرامة والحق وهو راضي دون أن يتردد برهة.. دون أن يُهادن أو حتي يفتدي نفسه بالمال، وهو على مشارف الموت.. مات كُريم بطلًا مرفوع الرأس، ليظل رمزًا فريدًا بين شعيه، مات واقفًا وهو على طريق الحق ليبعث رسالة تاريخية لشعبه وللأجيال القادمة، مفادها أن الحق باق حتى لو رحل أصحابه، وأن شجاعة القائد في تضحيته بنفسه من أجل شعبه وليس العكس.

من أوراق شعب لا يثور (1)

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية