رئيس التحرير: عادل صبري 02:15 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

بين زنزانة الأموات وعربة الترحيلات.. لماذا تقتطع من أعمارنا الأوطان؟

بين زنزانة الأموات وعربة الترحيلات.. لماذا تقتطع من أعمارنا الأوطان؟
21 مايو 2016

بين زنزانة الأموات وعربة الترحيلات.. لماذا تقتطع من أعمارنا الأوطان؟

صفوان محمد

بين زنزانة الأموات وعربة الترحيلات.. لماذا تقتطع من أعمارنا الأوطان؟

كُنت جالسًا معهم، أنتظر مثلهم بفارغ الصبر بزوغ الشمس، برغم أنه لم تر أعيينا النور قط، ولم تشهد أجسادنا طلوع الشمس طوال مدة الحبس داخل الزنزانة في أحد أقسام الشرطة، حينها شكوت لأحدهم بنبرة تنم عن الضيق والحنق، هذا اليوم الثالث لي داخل هذا المكان ولم تر عيناي شعاع النور.. ابتسم رغمًا عنه ابتسامة سخرية ممزوجة بالحزن والألم. هون عليك نفسك يا صاحبي، فلم يمض علي وجودك هنا سوى أيام قليلة، الكثيرون هنا لا تُداعب الشمس أجسادهم سوى مرة كل خمسة وأربعون يومًا أثناء ذهابنا إلي المحكمة بعربة الترحيلات، ليبت القاضي في أمر تجديد حبسنا، أو انتظار موعد الاستئناف.


ولكن هذا انتهاك صارخ للقانون فمكوثكم كل هذه المدة داخل زنزانة قسم الشرطة ليس من القانون في شيء، ومن الواجب أن يتم ترحيلكم إلي السجن العمومي، -هكذا رددت عليه-، عاودته ابتسامة السخرية المصحوبة بمسحة من اليأس والحزن، وقال طلبنا مرارًا وتكرارًا بنقلنا إلي السجن العمومي، والإجابة دائمًا ما تأتينا بأن السجون مكدسة للغاية، ولا يوجد بها أماكن شاغرة، ولا نملك من الأمر شيء سوى الانتظار والتعلق بحبال الأمل الدائبة، أن يتم إخلاء سبيلنا عندما يحين موعد جلسة الاستئناف أو النظر في أمر التجديد، ونتحمل من أجل ذلك كل أشكال وأنواع التعذيب النفسي والبدني، ولكن لا يحدث شيء سوي عودتنا إلى هنا مرة أخرى داخل هذه الزنزانة حاملين على أكتافنا خيبة الأمل.

 

هل وصف كلمة زنزانة بالمقبرة وصفًا قاسيًا؟ بالقطع لا فهو أكثر دلالة من هذه الكلمة.. وإنت كنت ملزمًا وأنا أسطر هذا المقال بمعرفة الكلمات، ولكن الكلمات أصبحت عديمة الفائدة، فإن سكن شخص ما على سبيل المثال مقبرة حقيقية أليس من الأفضل أن تُسمى هذه الحقيقة بشكل واضح وصريح، وأنت واثق تمام الثقة أن شخصًا فعل المكوث بمقبرة في حد ذاته مرعب للغاية، ولا حاجة لوصفه بأنه مرعب؛ لذلك أصبح لدينا من الكلمات ما يفوق حاجتنا، أقصد بتنا فقراء جدًا في المشاعر، أو أننا لسنا فقراء بها، غير أننا عجزنا عن استخدام الكلمات التى تعبر عنها وبذلك نكون أضعناها.

 

ساد الصمت في جميع أرجاء الزنزانة المتكدسة بالبشر، وانزوى البعض في ركن ركين، والبعض الآخر ظل واقفًا في انتظار أن يستيقظ أحد السجناء ليحل محله، وخلد الجميع إلى النوم.

 

استيقظ الجميع في تمام الخامسة صباحًا "للتمام" ليتأهبوا للقيام برحلة العذاب والشقاء داخل عربة الترحيلات، ثم جاءت الأوامر المشددة الصارخة والتي لا تتوقف أبدًا، من خلف باب الزنزانة "وشك في الأرض"، في لمح البصر انتكست الرؤوس، ويُخيل للناظر إليها من بعيد أنها مجموعة من الأصنام نُحتت بشكل دقيق؛ لجمود ملامح أشخاصها وثباتهم بطريقة متساوية.

 

تكدست أكوام من اللحم البشري، متراصة فوق بعضها البعض، ومحشورة داخل عربة الترحيلات، إحدى يداك مُكبلة "بالكلابشات" مع سجين آخر، يوجد بالعربة نافذة صغيرة للغاية محاطة بالأسلاك، هي المنفذ الوحيد للسجناء إلى العالم الخارجي، لو كنت تعِس الحظ مثلي وتم ترحيلك إلي المحكمة داخل هذه العربة في إحدى فصول الصيف، ستشعر أن جسدك ينصهر من حرارة الشمس الملتهبة والحارقة.. تتلاقي الأنفاس، حيث الزفير الذي يُخرجه هذا السجين يستقبله سجين آخر بشهيق، من كثرة إلتصاق الأجساد وتزاحمها داخل العربة، وتتصاعد بداخلها أعمدة دخان السجائر، وكأنك دخلت لتوك في غرفة مُوصلة بمواسير يخرج منها كل أشكال وأنواع عوادم الدخان الأبيض أو الأسود.

 

اللحظات القليلة عند نزولك من عربة الترحيلات إلى داخل زنزانة المحكمة، هي التي يمكنك فيها أن تستنشق نسيم الهواء العليل وتتمنى أن تحتفظ به داخل أعماق أنفاسك؛ لأنك ستدخل زنزانة شديدة العتمة، وكأنك دخلت لتوك في قاع مقبرة تحت الأرض ببضع كيلو مترات عرضها ثلاثة أمتار، رائحتها هي رائحة الموت المحقق، غير أن المقبرة لا يوجد بها روائح فضلات البشر المترامية على جوانبها، ومهما كانت قوة تحملك لن تتحمل تلك القاذورات داخل هذه المقبرة.

 

ستقضي ساعات طويلة داخل تلك الزنزانة، وقبل منتصف الليل بقليل ستعود إلى زنزانتك القديمة داخل قسم الشرطة، وأنت حامل كل هموم الدنيا فوق رأسك؛ لأنه تم التجديد لك 15 يومًا، ستنفصل عن الواقع قليلًا، تطرح أسئلة لا تعرف لها إجابات، تُطفيء نار الحيرة التي بداخلك، ليدور حوار بينك وبين نفسك لا ينتهي إلا ليبدأ ولا يبدأ إلا ليسترسل، لماذا أنت هنا؟ ما الذنب الذي إقترفته ليكون مصيرك مثل هذا المصير البائس، هل لإنك تحلم بأن يحيا وطنك بالعدل والحرية والإخاء، وتتمنى أن تراه سائرًا في ركب الدول الديموقراطية التي تُقدس القيم الإنسانية؟

 

هل كل ذنبك أنك صدقت الشعار الذي رفعه الجميع يوم الخامس والعشرون من يناير، بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية.. كرامة إنسانية؟ أين نحن من كرامة الإنسان وحقوقه؟ أليس كل تلك الإنتهاكات التي تُمارس ضدنا من قِبل الشرطة أحد الأسباب الرئيسية لقيام الثورة.. ستعود إلى واقعك المرير، وتتشبث من جديد بحبال الأمل الدائبة التي تُعينك على تحمل كل هذا الشقاء والبؤس ولسان حالك يقول إلام الخُطى تصبو؟ سؤال لا يرده سوى الرنين.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية