رئيس التحرير: عادل صبري 09:48 صباحاً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية
فوبيا الوهم
26 يوليو 2017

فوبيا الوهم

خالد داود

عنوان المقال هو ملخص لبعض المصطلحات الجديدة التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي في آخر جولات ما يسمى بمؤتمرات الشباب، والتي انتهت مؤخرا في الإسكندرية. فسيادته، وربما للمرة الأولى، اعترف بالفشل الذريع لمشروع توسعة قناة السويس الذي تكلف 8 مليار دولار أو 64 مليار جنيه، بحساب سعر الدولار في 2014، و144 مليار جنيه بالأسعار الحالية، والذي صمم وعاند الجميع لكي يتم الانتهاء منه خلال عام واحد فقط رغم وجود شبه إجماع أنه لم يكن ضروريا من الأساس وأنه إهدار لأموال دولة وشعب فقره مدقع.

 

وكرر السيسي ما سبق وأشار له بعد أن تبين أن دخل القناة قد تراجع للمرة الأولى منذ سنوات إلى 4.8 مليار دولار بعد أن كان العام الماضي 5.2 مليار دولار، وعلى عكس كل الوعود الوهمية بزيادة دخل القناة إلى 100 مليار دولار سنويا وفقا للسيد رئيس هيئة قناة السويس سيادة الفريق مهاب مميش، وقال الرئيس أن المشروع كان ضروريا لرفع الحالة المعنوية للشعب المصري، أو ما وصفه بخلق حالة من "الممانعة المعنوية".

 

كما عاود الرئيس هجومه المبطن على وسائل الإعلام وتأكيد رؤيته وقناعته أن دور الإعلام هو فقط دعم الدولة والامتناع عن تناول السلبيات، أيضا لأن ذلك من شأنه أن يؤثر على المعنويات المرهفة للشعب المصري. وطالب الرئيس وسائل الإعلام بخلق ما وصفه بـ "فوبيا ضد إفشال الدولة".

 

وعندما عدت للبحث عن ترجمة لمصطلح "فوبيا" باللغة العربية فوجدت أنه "الرهاب"، وتعريفه في علم النفس هو "مرض نفسي يعرف بأنه خوف متواصل من مواقف أو نشاطات معينة عند حدوثها أو مجرد التفكير فيها أو أجسام معينة أو أشخاص عند رؤيتها أو التفكير فيها".

 

وقمت بمراجعة مئات أنواع الفوبيا من أول الفوبيا أو الرهبة من الأماكن المغلقة، من الأماكن المرتفعة، من الحيوانات، من الطيران، من الموت، من الرجال، من النسيان، من الضفادع، من الاستحمام، من الوقوع في الحب، من القبور، وحتى من طبيب الأسنان أو تبادل القبلات خشية نقل الأمراض. ووجدت "اتيكوفوبيا" أو الخوف من الفشل، و"أثازاجورافوبيا" أي الخوف من النسيان والتجاهل وكذلك "الفاسمافوبيا" أو الخوف من الشبح.

 

ولم أجد مطلقا ما يشير من قريب أو بعيد إلى "فوبيا إفشال الدولة" مما يجعل السيد الرئيس صاحب السبق في هذا الصدد. واقترح إذا أردنا إضافة هذه الفوبيا لما هو متعارف عليه في دول الغرب، فلنسميه بالإنجليزية "ستيت فيلير فوبيا state failure phobia.

 

ونسى الرئيس أن لدينا نحن المصريون فوبيا الفقر، وفوبيا الجوع، وفوبيا غياب مستشفى آدمي لكي نتعالج فيه نحن وأولادنا، وفوبيا غياب مدرسة للتعليم وليس لنشر الجهل، وفوبيا غياب طريق للنقل يحافظ على حياتنا، وفوبيا انقطاع المياه، وفوبيا انقطاع الكهرباء، وفوبيا التعذيب في أقسام الشرطة لمجرد التعبير عن الرأي، وفوبيا تسجيل المكالمات الهاتفية سرا وإذاعتها في خرق فاضح للدستور والقانون، وفوبيا انهيار قيمة العملة، وفوبيا الإرهاب، وفوبيا الطائفية، وفوبيا الغرق في البحر بحثا عن فرصة للهجرة، وفوبيا نقص المواد التموينية، وفوبيا نقص لبن الأطفال الرضع.

 

والسعي لتهدئة هذه المخاوف أو حالات الرهبة هذه من كل ما سبق ذكره هو الذي سيخلق "الممانعة المعنوية" الحقيقية للشعب المصري ويصونه من أي مؤامرات داخلية وخارجية، حتى لو كان يديرها مجلس إدارة العالم والولايات المتحدة، كما كشف لواء سابق في القوات المسلحة كان يشغل منصبا مرموقا.

 

"ممانعتنا المعنوية" تنهار فورا عندما نواجه المشاكل اليومية من غلاء صارخ للأسعار، والاضطرار قسرا للتخلي عن أحد القيم الأساسية التي يتمسك بها غالبية المنتمين للطبقة المتوسطة من الأمل في توفير تعليم جيد للأبناء بعد ارتفاع مصايف المدارس، أو عند الشعور بعدم القدرة على دفع مصاريف مستشفى خاص لأطفالنا إذا أصابهم ضرر لأن الذهاب إلى مستشفى حكومي تقف فيه طابورا لكي تدخل غرفة الطوارئ يعني نهايتهم، لا قدر الله.

 

ونسيت طبعا أن أضيف أن كل المصريين لديهم فوبيا انعدام المحاسبة للمسؤولين الذين يكذبون علينا، والذين من أجلهم لا بد أن نبلع الزلط إذا كنا فعلا نحب هذا الوطن، وفقا للسيد الرئيس. فلو أن هناك أي دولة في العالم لديها الحد الأدنى من المحاسبة عبر المؤسسات المتخصصة كالبرلمان والقضاء والإعلام، لما مرت حقيقة إهدار أموالنا على مشروع فاشل كتوسعة قناة السويس من دون محاسبة.

 

نعم، أنا شخصيا طربت وسعدت وارتفعت معنوياتي بغناء كورال الأطفال "قناة مصرية بإيدين مصرية" اهتزت معنوياتي بعض الشيء بعد أن قرأت وتيقنت أن المصري فقط في ذلك المشروع كان غناء الأطفال، وأن شركات الحفر كانت كلها أجنبية تكلفت مليارات الدولارات. ولكنني قمت بكبت فوبيا الخوف من الفشل وتذكرت مليارات مميش الموعودة، فعادت ممانعتي المعنوية قوية حتى قرأت آخر موازنة عامة للحكومة التي أكدت تراجع دخل القناة بعد عامين من انتهاء المشروع.

 

ارتفعت ممانعتي المعنوية أيضا بعد متابعة مؤتمر شرم الشيخ الشهير، والذي وعدنا فيه ضيوفنا بمئات المليارات من الدولارات. ولكن تبخرت المعنويات بعد أن تبين أنه لم يصلنا أية مليارات وأننا استعضنا عنه بالاستدانة حتى بلغت ديوننا الخارجية المستوى الأعلى منذ عقود. وحتى ما يسمى بمشروع العاصمة الإدارية الجديدة الذي يتمسك به الرئيس بعناد تخلت عنه كل الجهات الممولة الدولية، وانتهى الأمر بالتعهد به للقوات المسلحة والشركات المصرية من دون اي استثمارات أجنبية.

 

تجربتنا كمصريين على مدى عقود مع حكوماتنا المتعاقبة رسخت داخلنا "فوبيا الوهم" أو أن نعيش على أمل وعود كاذبة ثم نفيق لنجد أن الواقع اسوأ. وهذا هو ما يجب أن يحذر منه كثيرا السيد الرئيس.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية