رئيس التحرير: عادل صبري 09:44 مساءً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

كن أنت الراوي الوحيد!

كن أنت الراوي الوحيد!
23 يوليو 2015

كن أنت الراوي الوحيد!

براء أشرف

تسألني شقيقتي الصغرى، في تحدي واستفزاز : براء.. فين الجزء التاني من "صناعة الكذب"؟!..

ما حدث، أنني أنتجت فيلماً وثائقياً في العام 2011، يحكي كيف مارس الإعلام المصري الرسمي الكذب طوال 18 يوم، هي عمر ثورتنا التي كانت!.

تم عرض الفيلم بعد عام من الثورة. وقد لاقى اهتماماً كبيراً من القنوات الفضائية المصرية. التي طلبت عرض مقاطع منه، واستضافت صناعه (وأنا منهم) للحديث عن ملابسات صناعة الفيلم، والنقاش في تفاصيله.

الفيلم كان يعرض عدة مراحل تمر بها "صناعة الكذب" في الإعلام المصري، ويستعرض هذه المراحل بالأدلة والوثائق. وربما، وجدت القنوات المصرية في عرضه، محاولة للظهور باعتبارها صادقة، ونادمة على ما مارسته سابقاً من كذب!.

 

في برنامج "العاشرة مسائاً"، نسخة منى الشاذلي، كنت ضيفاً في حلقة خاصة عن الفيلم، وللمصادفة، كان يجلس بجواري داخل الاستديو الأستاذ إبراهيم الصياد، وكان حينها رئيس قطاع الأخبار في التلفزيون المصري.

ودار نقاشاً طويلاً بيننا على الهواء. وخلاله، أخبرته بوضوح، بأنني سأنتج من "صناعة الكذب" أجزاء تالية. إذا ما مارس الإعلام المصري هوايته المعتادة في الكذب على الجمهور!.



شقيقتى الصغرى، لم تنس ما قلته على ما يبدو. وتسألني الآن.. أين الجزء الثاني؟!.. في سؤال معناه الواضح : الإعلام عاد للكذب!.

السؤال هو : كيف أدركت صغيرتي، ذات الأعوام العشرة، أن الإعلام عاد للكذب!؟..

(2)

المشاهد ليس غبياً، والقارئ لم يعد ساذجاً، ولضمان مستوى الخدعة، يرجى العلم أن الجمهور شاهدها سابقاً!.

المحطة السادسة التي تمر بها "صناعة الكذب"، بحسب ما جاء في الفيلم، تحمل اسم "كن أنت الراوي الوحيد!". وفيها، تمارس السلطة المصرية هوايتها المعتادة، في تضييق الخناق على وسائل الإعلام غير الرسمية بشكل عام، وما يناصر منها رواية أخرى غير روايتها بشكل خاص!.

في أيام الثورة، تمت مداهمة مكاتب معظم القنوات الفضائية الإخبارية. وتم وضع مراسلي وكالات الأنباء تحت المراقبة، بل، وطلبت الأجهزة الأمنية من بعضهم مغادرة البلاد خلال ساعات. وبررت موقفها بأنها تملك ملاحظات على التغطية التي يقومون بها!.

بل، وتم التحريض على الأجانب بشكل عام، وخرجت برامج التلفزيون المصري تؤكد، أن المشاهد التي يتم عرضها على القنوات الأجنبية لميدان التحرير تم التلاعب بها بحيث يظهر عدد المتظاهرين أكبر وأضخم، وهو في الواقع ليس كذلك. وكانت كاميرا التلفزيون المصري، تنقل صورة ثابتة، لكورنيش النيل الهادئ، للتأكيد، على أن الشوارع خاوية، وكل شيء تحت السيطرة!..

وفجأة، اكتشفت الأجهزة الأمنية أن مكاتب القنوات الإخبارية ووكالات الأنباء الدولية تعمل دون تصريح!، وأن الوقت قد حان، لإغلاقها!.. وهذه بالطبع نكتة سخيفة!..

نظام مبارك كان يتميز بروح دعابة عالية، وكان يفضل إظهارها عند التعامل مع وسائل الإعلام عموماً.. فعادة، لا يوجد شيء اسمه الحصول على تصريح أمني!.. فما يحدث، هو أن القناة أو الوكالة الأجنبية، تتقدم بطلب للجهة الأمنية المسئولة لفتح مكتب في القاهرة.. ويمضي وقت طويل دون الحصول على رد واضح بالموافقة أو الرفض!، ثم، يتم استدعاء مقدم الطلب إلى جهة سيادية، وهناك يتم إخباره بأن بإمكانه بدء العمل فوراً.. لكنه لن يحصل على تصريح أمني مكتوب بهذا!، لماذا؟!.. لأن السلطة تملك في أية لحظة إغلاق المكتب واعتقال العاملين به، والتهمة حينها ستكون: العمل دون تصريح أمني من الدولة!..


(3)

هل أنا بحاجة، لإخبارك، عزيزي القارئ، بأن ما حدث سابقاً يعاد عرضه مرة جديدة هذه الأيام؟!..



ثقتي بك مطلقة، أنت تدرك هذا، وتعرف، أن حتى ما كان مسموحاً قبل الثورة، صار ممنوعاً الآن، وأن السقف العالي، الذي انتزعناه من مبارك في سنوات حكمه الأخيرة، صار منخفضاً جداً.. بحيث لم نعد نملك حتى القدرة على الوقوف تحته.

في سنوات مبارك، على الأقل، لم تكن هناك تهمة تخص "الصحافة الإليكترونية" بشكل عام. وكانت السلطة، تضيق على بعض مواقع الإنترنت، من بوابة المصنفات الفنية عادة. حيث تداهم قوة من قسم الشرطة مقر الشركة صاحبة الموقع، ويتم عمل محاضر حيازة برمجيات غير أصلية، هكذا فقط، ببساطة ولطف، نوع من أنواع الرخامة لا أكثر!.

الآن، نحن نعيش في دولة تطلب تصريحاً بإنشاء موقع على الإنترنت!.. وتقبض على العاملين فيه بتهمة بث محتوى إعلامي دون الحصول على تصريح قانوني!..

(4)

إن كانت السلطة مجنونة، فالجمهور عاقل.. كيف يعقل أن يتحكم القانون المحلي في موقع على الإنترنت يمكن تحريره وتحديثه من أي مكان على كوكب الأرض؟..

السؤال الأهم : كيف تعتقد السلطة أن الجمهور ساذجاً لهذه الدرجة؟!..

ما نشرته أخيراً صحيفة "الأخبار"، عن موقع "مصر العربية"، يفترض في الجمهور سذاجة كبيرة.. النجاح الذي حققه الموقع لا يمكن أن يكون مغشوشاً للدرجة.

في أقل من ثلاثة أعوام، نجح "مصر العربية" في الاستحواذ على مساحة ليست صغيرة في فضاء الإعلام المصري. وحقق الموقع أرقاماً قياسية، من الزيارات والمشاهدات، بل وتمكن فريق التحرير فيه من تحقيق عدة خبطات صحفية قوية، عبر خلطة مهنية ذكية ورشيقة، يشرف عليها رئيس التحرير الأستاذ عادل صبري، الذي تشرفت بلقاءه مرة واحدة فقط، رغم استمراري في الكتابة للموقع منذ عام تقريباً. (وهذه دلالة على سقف عالي جداً للكتاب الشباب في الموقع يتيح لهم الكتابة دون التعرف حتى على رئيس التحرير والجلوس معه للتنسيق والترتيب شأن غالبية الصحف المصرية!)..

هل حقق "مصر العربية" كل هذا، والجمهور مضلل؟، عبيط؟، أهبل؟، لا يدرك حجم المؤامرة عليه؟، ولا يفهم حقيقة الموقع؟!.. السلطة عادة تعتقد هذا، وتحب أن تلعب دور الشرطي في غير محله. لذا تحتكر لنفسها حق تنظيم وترتيب النشر والإعلام والصحافة بشكل عام..

المدهش، والمذهل، أن "مصر العربية"، بحسب معلوماتي السابقة، وبحسب ما يؤكده البيان الذي نشرته إدارة الموقع، يعمل وينشر تحت مظلة القوانين المصرية بشكل عام. فالموقع تمتلكه شركة مساهمة مصرية، جميع المساهمين بها يحملون الجنسية المصرية، وأسماءهم معلومة لدى هيئة الاستثمار المصرية. ويرأس تحرير الموقع صحفي كبير، عضو في نقابة الصحفيين المصرية، وسبق له العمل في عدد كبير من الصحف المصرية، بل، وتقدمت الشركة مالكة الموقع، بطلب تأسيس صحيفة أسبوعية مطبوعة، واستكملت الأوراق الرسمية المطلوبة، ويتبقى لها فقط، الحصول على موافقة أخيرة من المجلس الأعلى للصحافة!..

موقع "مصر العربية" لا يعمل في السر، بل له مكتب مكانه معروف وسهل الوصول له. ويتردد عليه يومياً عشرات، إن لم يكن مئات، الصحفيين والمتدربين والكتاب. وعن نفسي، حين زرت مقر الموقع، شعرت بفخر حقيقي، كصحفي مصري، أن هذه التجربة بدأت واستمرت وتنمو، بإمكانيات بسيطة، وبفريق تحرير لديه شغف كبير، بأن يصنع لمؤسسته اسماً قوياً عند الجمهور المصري!..

(5)

خلال العام السابق، بدا واضحاً أن السلطة غير مرتاحة لـ"مصر العربية"..

أسر لي صديق، يعمل معداً في برنامج تلفزيوني شهير، أنه وفريقه تلقوا تنبيهاً من إدارة القناة المصرية التي يعملون بها، يمنع نقل أية أخبار من "مصر العربية" والإشارة إلى مصدرها!..

ثم، سمعتها واضحة، من مصدر قريب الصلة من الأجهزة الأمنية المصرية، "إنهم لا يحبون مصر العربية، ولا يشعرون بالراحة تجاهه".. وحين سألته عن قائمة المواقع التي يفضلونها، ابتسم قائلاً : "تقريباً لا شيء.. لأن حتى المواقع المتخصصة في الكورة قادرة على صناعة مشاكل لها بنشر أخبار لا ترغب الأجهزة في نشرها!"..

ولك أن تتخيل، عزيزي القارئ، أن انفجار ماسورة مجاري في شارع جانبي بشبرا، يقع ضمن قائمة الأخبار التي لا ترغب الأجهزة الأمنية في نشرها!..

ومصر بلد جميل!، يكفي أن تنتشر معلومة مثل "عدم سعادة الأجهزة السيادية بمصر العربية"، فتجد أن وكالات الإعلانات غير مهتمة بالتعاون مع الموقع!، كما تجد أن بعض المصادر الصحفية تبتعد عن التعامل مع صحفيي الموقع، بل، وتضع بعض المؤسسات الرسمية (وغير الرسمية) اسم الموقع ضمن قائمة تحتوي أسماء المؤسسات الإعلامية التي لا تتعامل معها!..

كل هذا حدث ويحدث، ولا يزال "مصر العربية" قادراً على الاستمرار والوصول للجمهور.. وبالطبع، فإن القارئ الذكي، يمكنه أن يسأل : إلى متى تستمر هذه القدرة؟!..

(6)

الحملة لا تستهدف "مصر العربية" وحده،.. عدد غير قليل من المؤسسات الإعلامية غير الرسمية تتعرض لنفس الهجمة ونفس الاتهامات.. بل، ويتعرض لها حتى عدد من الكتاب والصحفيين المستقلين!، ولعلك تلاحظ، اختفاء عدد كبير من مقالات كتاب الرأي المعارضين والمستقلين من المواقع والصحف المصرية.. مع إعلانات ساذجة من ادارات هذه المؤسسات، عن محاولات للتطوير وتقديم كتاب آخرين غير الممنوعين بلطافة من الكتابة والنشر!..

انتهى زمن الرهان على ذكاء السلطة في مصر، يبدو أن هذا شيئا غير موجود أصلاً.. فحتى هامش الحرية صار مزعجاً لها..

الرهان الآن، فقط، على ذكاء القارئ، الذي صدق سابقاً "مصر العربية" وغيرها من المنصات الإعلامية الحرة المهنية الشابة.

عزيزي القارئ، إن أرادت السلطة لنفسها أن تكون الراوي الوحيد.. فقد حان دورك الآن، كي تكون أنت.. الحكم الوحيد..

وتحيا مصر.. العربية!.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية