رئيس التحرير: عادل صبري 11:49 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

كيف حدث الانقلاب؟

كيف حدث الانقلاب؟
01 يوليو 2015

كيف حدث الانقلاب؟

طاهر مختار

بعد أن تناولت خلال الحلقتين السابقتين من هذه السلسلة تقييمي لتكتيك المشاركة في 30 يونيو بالنسبة للقوى الثورية التي كانت تهدف إلى تجذير الثورة واستكمالها وعدم دقة الشعار المرفوع وقتها، أحاول في هذه الحلقة ـ وهي الثالثة في السلسلة ـ الإجابة عن سؤال: كيف حدث الانقلاب؟

 

فكيف حدث الانقلاب؟

استراتيجية الثورة المضادة لإجهاض الثورة:

فرق تسد: وجد المجلس العسكري (قلب الثورة المضادة) أنه لن يتسطيع مواجهة الثورة التي تجمعت في ميادينها ـ بشكل يميل للعفوية تزامن مع لحظة الانفجار الثوري ـ القوى السياسية المعارضة بمختلف تياراتها ومعها أغلبية من الجماهير غير المسيسة الغاضبة والمنتفضة ضد دولة الفساد والاستبداد، خاصة أنهم وقتها تحولوا إلى كتلة واحدة متغايرة الاتجاهات السياسية والأهداف النهائية ولكنها كانت كتلة حرجة تضرب ضد النظام الذي لا يستطيع مواجهتها مباشرة، فلجأ لمواجهة ذلك بإبعاد الجماهير عن ميادين الثورة وتقسيم القوى السياسية من خلال اللعب على الاختلافات السياسية والأيديولوجية بينها رؤياتها المتباينة للثورة وأهدافها ومآلاتها.

 

وقد استخدمت الثورة المضادة، بقيادة المجلس العسكري، تكتيكات متتالية ومتزامنة مركبة ومُحكَمَة للوصول لهدفها الاستراتيجي، تكتيكات ملائمة للواقع ومبنية على فهم طبيعة الظروف الموضوعية التي قامت فيها الثورة وطبيعة القوى السياسية الموجودة والخلافات والاختلافات فيما بينها وتباين رؤياتها للثورة، وهو ما نجحت فيه الثورة المضادة بامتياز..

 

وهذه أبرز تحركات الثورة المضادة لإجهاض الثورة:

 

فيما يخص الجماهير غير المسيسة من المشاركين في الثورة والمهتمين بها:

عملت الثورة المضادة، وفي القلب منها المجلس العسكري ومن خلال إعلامها، على تشتيت صفوف الثورة من خلال إبعاد الجماهير عن الميادين النضالية التي مثلت الثورة ومطالبها من خلال تشويه الثورة نفسها وتصويرها على أنها مؤامرة على مصر شاركت فيها كل القوى الإقليمية والدولية ـ حتى المتصارعة فيما بينها ـ من أجل إسقاط مصر وإضعافها فنجد حماس بجانب الأعداء الصهاينة وأمريكا وعدوتها إيران متآمرين على مصر بإشعال الثورة فيها!

 

كما تم أيضًا تشويه رموز الثورة واتهامهم بالخيانة والعمالة لتنفير الجماهير منهم، مع بث الإحباط في صفوف الجماهير وتحويل غضبهم ضد النظام إلى الغضب ضد الثورة نفسها بتعمد وقوف المجلس العسكري ضد أي إصلاحات تجعل حياة المصريين أفضل حتى يصابوا باليأس والإحباط، واستمرت الظروف المعيشية الصعبة التي انتفضوا ضدها، بل وعملت قيادات الثورة المضادة، التي كانت تحكم مصر، على ازدياد الأمور سوءًا بعد الثورة بشكل متعمد، دفعًا للجماهير للغضب على الثورة ولومها وللعودة إلى حظيرة النظام و"أمنه" و"استقراره"!

 

فيما يخص القوى السياسية التي شاركت في الثورة وتباين رؤياتها:

بالتوازي مع الخطوة السابقة، واستغلالًا لعدم وجود حزب ثوري (ذو بوصلة ثورية) جماهيري واسع منغمس وسط الجماهير يمثل قيادة مركزية للجماهير المنتفضة خلال نضالها ضد النظام ويمثل بديلًا ثوريًا في الوقت ذاته؛ عمدت الثورة المضادة إلى شق الصف بين شركاء الميدان من القوى السياسية، وقد ساعده في ذلك منذ البداية إصلاحية وانتهازية القوة السياسية الأكبر والأكثر تنظيمًا بين صفوف الثورة المصرية وهي جماعة الإخوان المسلمين، وقد بدأ ذلك مع تحركات نائب مبارك ومدير المخابرات العامة وقت قيام الثورة اللواء عمر سليمان الذي طلب الجلوس مع قيادات الإخوان وقت اعتصام التحرير قبل التنحي.

 

لم يكتفِ المجلس العسكري بإضعاف الثورة بإبعاد القوة السياسية الأكبر (الإخوان) عن صفوفها بعد خلع مبارك، بل كسب هذه القوة إلى خارطة طريق الثورة المضادة مستغلًا بوصلتها الإصلاحية وأفقها المحدود بالنسبة للثورة وانتهازيتها وعشقها لمفاوضات الغرف المغلقة بعيدًا عن الجماهير التي لا يؤمن الإخوان بها سوى كأداة في أيدي الجماعة تستخدمها في مفاوضاتها السياسية وليس إيمانًا بها وبحقوقها وبقوتها وبقدرتها على التغيير.

 

ولم تكن جماعة الإخوان المسلمين هي القوة السياسية الوحيدة الانتهازية التي كانت تجري لتقدم التنازلات للمجلس العسكري حتى تحصد الفتات منه، ولكن تم التركيز على الإخوان في هذه النقطة لكون الجماعة هي التنظيم السياسي الأكبر في صف الثورة كما أوردت سابقا.

 

فيما يخص القوى السياسية وموقفها من الإخوان:

كما كان موقف القوى السياسية المشاركة في الثورة متباينًا منها من حيث الأهداف والرؤية كان موقفها متباينًا أيضًا من تيار الإسلام السياسي عامة، وعلى وجه الخصوص من الفصيل السياسي الأكبر في الثورة المصرية؛ جماعة الإخوان المسلمين.

 

في الوقت الذي كان يفتح المجلس العسكري المساحات السياسية أمام الإخوان المسلمين ليشقوا طريقًا حدده ليكونوا في صفه ولكسبهم على خارطة الطريق الخاصة به ولعزلهم عن باقي قوى الثورة، كان الخلاف بين الإخوان وباقي القوى السياسية في مصر ومن ضمنها باقي قوى الثورة يحتدم..

 

فلول نظام مبارك والأجهزة الأمنية الذين كانوا يرون أن الإخوان المسلمين ـ بصفتهم المعارض السياسي الأكبر لمبارك والقوة السياسية الأكبر في الثورة المصرية التي أطاحت بنظامهم ـ مسئولين عن الثورة وما حدث لهم بسببها فكانوا يناصبونهم العداء بشكل تام.
 

قوى اليسار القديم (الستاليني والناصري) وأغلبية الأحزاب الليبرالية التي كانت تتخذ موقفًا أيديولوجيًا متحجرًا من الإخوان المسلمين (الإسلام السياسي الإصلاحي)، وتراهم فاشية وقوة إرهابية يجب مساندة الدولة ضدها، أو كما يراهم الأقل تحجرًا منهم أن الإخوان هم جناح آخر من أجنحة الثورة المضادة يجب الوقوف ضدهم طوال الوقت بغض النظر عن السياق (مع أن من شارك في الثورة من بعض هذه القوى كان كتفًا إلى كتف مع الإخوان في ميادين مصر خلال الأيام الأولى لنضالات الثورة المصرية!).
 

قوى اليسار الثوري والقوى الراديكالية للثورة المصرية (مثل الاشتراكيين الثوريين و6 إبريل التي ساهمت في تأسيس جبهة ثوار بعد الانقلاب) ومنها بعض المنشقين عن الإخوان المسلمين.. وهي القوى التي كانت ترى أن الإخوان هم فصيل من فصائل الثورة المصرية ولكن يجب الوقوف ضدهم بسبب خيانتهم للثورة اللاحقة لتنحي مبارك في الفترة الانتقالية وخلال وجودهم في السلطة كما تم توضيح ذلك سابقًا.
 

أضف إلى كل ما سبق أنه كان هناك صراع على السلطة (التي هي بعيدة في الحقيقة عما تجري الانتخابات عليه) من قبل القوى السياسية المختلفة مع الإخوان في كل الانتخابات التي تلت الثورة وفق خارطة الطريق، وهو ما أدى إلى زيادة حدة الصدام مع الإخوان الذين ظهروا بمظهر الراغب في الهيمنة على كل الكراسي والمناصب بعد الثورة، مما أثار المخاوف لدى القوى السياسية الانتهازية التي لجأت للعسكر للوقوف بجانبهم لعدم قدرتهم على مجاراة الإخوان سياسيًا في معارك الصندوق تحت مزاعم أنهم يطلبون من العسكر حماية الديمقراطية!

 

وهذه القوى السياسية هي التي شكلت القوى المشاركة والداعية لـ 30 يونيو بمختلف اتجاهاتها ومواقفها من الإخوان.

 

تحويل الجماهير من الغضب على نظام مبارك إلى الغضب على الإخوان:

مع وجود كل تلك القوى السياسية التي دخلت في صراع مع الإخوان لأسباب متباينة، منها الموضوعي بسبب موقف الإخوان من الثورة، ومنها غير الموضوعي بغرض الخصومة السياسية والصراع على السلطة والخلاف الأيديولوجي، وتحول ذلك الصراع مع الإخوان إلى تحركات ضدهم وقت وجودهم في السلطة بعد فوزهم بأغلبية كراسي مجلس الشعب ومجلس الشورى والرئاسة خاصة الأخيرة، تزامن ذلك مع حملة دعائية ضدهم، موضوعية أحيانًا ومبنية على التشويه أحيانًا أخرى من إعلام الدولة وإعلام رجال الأعمال تحت قيادة الأجهزة الأمنية مثل وصفهم بالإرهابيين.

 

ومع تصور الجماهير أن الإخوان هم من يديرون البلاد بشكل فعلي ويتحملون مسئولية عدم تحقيق مطالبهم وتدهور الأوضاع، ولم يفصح الإخوان عن غير ذلك بالمناسبة؛ تحول غضب الكتل الأكبر من الجماهير من العداء لنظام مبارك إلى العداء للإخوان المسلمين متجاهلين/ عدم مدركين حقيقة وجود دولة عميقة من مجلس عسكري وأجهزة أمنية في الخلفية تدير المشهد ككل، ليتحول العداء الأولي من مبارك ورجاله الذين نهبوا البلاد 30 عامًا إلى الإخوان المسلمين ـ الذين خانوا الثورة أو يمتازون بالغباء السياسي في أحسن الأحوال ـ والذين لم يكملوا عامًا في السلطة؛ "وشالوا الليلة كلها" بفضل انتهازيتهم وغبائهم السياسي!

 

بل وتصدر رجال نظام مبارك وجنرالاته المشهد أمام الجماهير كمنقذين للشعب من براثن "ظلم" و"فساد" و"قمع" و"إرهاب" و"سماجة" الإخوان!

 

الانقلاب على الثورة بانقلاب الثورة المضادة على الرئيس المنتخب بشرعية الثورة:

فكان أن أتم الانقلاب العسكري أركانه في 3 يوليو عندما استغلت الثورة المضادة حشدها للجماهير "المذعورة" من الإخوان وراءها في 30 يونيو للانقلاب على الرئيس المُنقَلَب عليه محمد مرسي الذي جاء نتيجة أول انتخابات رئاسية في تاريخ مصر الحديث ، وهي الانتخابات التي حدثت نتيجة ثورة يناير واستمدت شرعيتها منها، ليكون 3 يوليو انقلابًا صريحًا على شرعية يناير من قبل رئيس المخابرات الحربية لنظام مبارك!

 

وبعد الجماهير .. جاء السلاح:

وبعد محاولة شرعنة الانقلاب بالحشد الجماهيري الذي يصب في صالح الثورة المضادة؛ جاءت الخطوة الأسهل على الانقلاب العسكري ـ كما هي العادة مع كل الأنظمة الاستبدادية العسكرية ـ وهي ممارسة القمع المسلح ضد الجماهير المعارضة للانقلاب، وجلهم وقتها كانوا من الإسلاميين عامة ومن الإخوان المسلمين خاصة لترتكب الثورة المضادة بالدبابات والرشاشات المذابح الوحشية المتتالية ضدهم تحت شعار "الحرب على الإرهاب" مثل مذابح الحرس الجمهوري ورابعة والنهضة وغيرها من المذابح التي طالت الكل بعد ذلك كمذبحة ستاد دار الدفاع الجوي، وهو ما حدث أيضًا باعتقال معارضي الانقلاب من الإخوان والإسلاميين، ثم طال الاعتقال باقي معارضي السلطة من مختلف التيارات السياسية بعدها.

 

ولكن تلك لم تكن بداية الانقلاب؛ فقد بدأ الانقلاب ينفذ خطته منذ اليوم الأول لتولي المجلس العسكري حكم البلاد بعد تنحي مبارك في 11 فبراير، وساعده في ذلك القوى السياسية الإصلاحية الانتهازية التي قبلت "خارطة الطريق" التي وضعتها الثورة المضادة لإدارة المرحلة الانتقالية لإجهاض الثورة، وعلى رأسها الإخوان المسلمين بصفتهم الفصيل السياسي المعارض الأكبر حجمًا والأكثر تنظيمًا، بدلًا من مسار "إسقاط حكم العسكر" الذي كانت تنادي به القوى الأكثر ثورية وراديكالية في الثورة المصرية.

 

ويمكن تلخيص الاستراتيجية التي قامت بها الثورة المضادة للانقلاب على ثورة يناير في الجملة التالية: بجانب تشويه الثورة والوقوف أمام أي إصلاحات كانت تضغط لتقديمها، استغلت الثورة المضادة إصلاحية وانتهازية القوة السياسية الأكبر في الثورة المصرية (الإخوان المسلمين) وعزلتها عن باقي قوى الثورة، مما ساهم في إضعاف الثورة وتشويه الإخوان وجعل القوى السياسية الأخرى ومن خلفها الجماهير يصطدمون بها، بل وعززت الثورة المضادة الصريحة موقعها في قيادة هذا الصدام ضد القوة الإصلاحية التي خانت ثورة يناير لتظهر كمنقذ للجماهير "من الإرهاب المحتمل" ولتحاول غسل عارها القديم و30 سنة فساد وقمع واستبداد في حكم مصر بارتكاب المزيد من القمع والاستبداد وتقنين الاستغلال والفساد!

 

ولكن هل كانت كل الطرق تؤدي إلى 30 يونيو؟ ولماذا لم تكن 30 يونيو ثورة ولم تكن موجة ثورية؟

للمقال بقية،،

 

انتظروا غدًا الحلقة الرابعة من سلسلة "في ذكرى 30 يونيو: لا ثورة إلا ثورة يناير" بعنوان:  "لم تكن ثورة ولم تكن موجة ثورية".

 

الحلقة الأولى: في ذكرى 30 يونيو: لا ثورة إلا ثورة يناير

الحلقة الثانية: هل خان العسكر الثورة؟

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية