رئيس التحرير: عادل صبري 11:59 مساءً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

لا وقت للديمقراطية !

لا وقت للديمقراطية !
26 أكتوبر 2016

لا وقت للديمقراطية !

زياد العليمى


(1)
يتحرك الزعيم متوجهًا إلى المنصة. من دون أن يلقي بالًا لأخطاء تنظيمية شابت بداية الحفل، فكافة وكالات الأنباء المحلية، صارت تابعة لنظامه بشكل أو بآخر، وستحرص على أن تنقل الأمر بشكل جيد.

 

وسط تصفيق حاد من الحضور ـ سعد معظمهم بدعوة لرحلة سياحية إلى مدينة كانت حتى سنوات قليلة مشتى لمن يملكون، وحلم بعضهم بصورة مع الزعيم، تعلي من قيمته بين من يتعامل معهم ـ يصعد الزعيم إلى المنصة، يراجع في ذاكرته نصائح مستشاريه ذوي الثقة، ويحاول أن يستنتج ما لم يقله المستشارون ليتقمص حالة الخطاب، فيبدو حديثه من القلب: 
 

"أصبح شعبك الآن جاهزًا لتقبل ما نريد مقابل الفتات؛ فالأزمة الاقتصادية طحنتهم، ونجحت وسائل إعلامنا في ترسيخ فكرة التضحية بالحياة العادلة مقابل الأمن. ورغم ضعف السيطرة الأمنية، أصبح الكثيرون يؤمنون بأن البديل أسوأ. لا حاجة لدينا لتبرير الفشل المتوالي، فالفشل سيلازمنا طالما كنا لسنا بأهل لما نريد الحفاظ عليه من سلطة. والحل الوحيد هو إقصاء كل من يشير إلى مواطن الخلل، أو الفساد. ويجب أن يركز الخطاب على تهيئة الجماهير لإجراءات أكثر قسوة، تقتضي الإطاحة بكل من يجرؤ على الإفصاح بجزء من الحقيقة".

 

(2)

يقف أمام المايكروفون، وسط ترحيب شديد بكلمته التي لم تبدأ، مبستمًا ابتسامة يظنها تعطي الانطباع بالتواضع. وما أن يتوقف التصفيق، حتى يبدأ خطابه القصير الذي يعلن فيه قواعد الحكم، التي نفذت منذ فترة طويلة، وآن أوان إعلانها:

"أشكر لكم استقبالكم الطيب، الذي يعطينني الانطباع بأنكم تعلمون ما أحلم به لكم، ولكي نتمكن من العبور ببلادنا سالمة، يجب، يجب أن نتحملها، ويجب أن نضحي لأجلها....

 

يظن البعض أننا لسنا ديمقراطيون، وأقول لهم، أني طالبت بالديمقراطية من قبل أن تطلبوها أنتم، فأنا الحالم بالديمقراطية، وأنا من سيمنحها لشعبنا، لكن؛ هل هذا هو الوقت المناسب للديمقراطية! هل نملك الوقت لإقامة ديمقراطية!! دعونا نعدد المهام الملقاة على عاتقنا في الملف الديمقراطي وحده...

 

نعم فشلت مشاريعنا الكبرى التي وعدناكم بها، لكنكم لا تعلمون أن معظمها كان بغرض رفع روحكم المعنوية، فنحن لا نريد إلا سعادتكم، فأنتم من تنيرون لنا طريقنا، فهل نسمح لدعاة التشاؤم أن يتواجدوا بيننا! لن نسمح لهم، فنحن نعلم الكثير مما لا تعلمونه عن مصلحتكم ـ ثم يستعيد هدوء صوته مبتسما بنظرة سخرية وتحدي، لم يفهم معناها كل من رآها، وأكمل: هيا بنا نستعرض المهام الملقاة على عاتقنا في ملف الديمقراطية..

 

نحتاج وقتا طويلا لرصد أعداء الوطن الذين يرددون أباطيل عكس الحقائق التي نقولها لكم، ثم البحث عن حسني النية الذين يطرحون أسئلة تنال من مصلحة الوطن وأمنه.

 

نرصد تحركاتهم، ومعارفهم وأفكارهم ونسعى لتقييم موقفهم. نقبض عليهم حتى لا ينشروا المناخ التشاؤمي في البلاد، وحتى أخبركم الحقيقة كاملة، أحيانًا تحدث إنتهاكات بسيطة كتعذيب متهم هنا أو اختفاء مواطن هناك، أو أبرياء يتم القبض عليهم عشوائيًا، وهو الأمر الذي سنواجهه بحزم في حينه، لكن هذا لا يمكن أن يحدث قبل القضاء على كل أعداء الوطن.


ننشئ سجونًا مركزية وكبيرة، فأعداء وطننا يزدادون يومًا بعد يوم، قد يكون بعضهم في منزلك، أو عائلتك، أو شارعك أو عملك، فلا تتهاون ودافع عن وطنك بالإبلاغ عنه، ومع زيادة عدد أعداء الوطن؛ نضطر إلى احتجاز بعضهم في أماكن يطلقون عليها غير قانونية، كيف تكون غير قانونية وهي مقرات تابعة للدولة!!

 

نحتاج حراسا وعتادا لحراسة أماكن الاحتجاز، وتنفيذ عمليات القبض ومتابعة أعداء الوطن، وتمويل بناء السجون، وتسليح رجالنا ورفع رواتبهم لضمان الولاء، حتى يحمون بلادنا من أعدائها، وتأمين كل من يقول الحقيقة التي تعبر عن وجهة النظر الوطنية التي نقولها لكم، وهي أمور تكلف بلادنا الكثير للدفاع عنكم.

 

واجهتنا مشكلات مع بعض الشخصيات المعروفة إعلاميًا نتيجة فترة من الانفلات الأمني الذي نال من كل مؤسسات الدولة نتيجة خطة منظمة، أودعنا بعضهم في السجون، وهددنا البعض الآخر بالسجن، وهددنا آخرين بالقتل، وهرب منهم الكثير خارج بلادنا، لتأويهم بلاد أخرى تعادينا، وقطعنا أرزاق بعضهم، فلا يأكل من بلادنا إلا كل وطني مثلنا، وتصرفنا تصرفات أخرى مع عناصر منهم، وهي أمور كلفت خزانة الدولة أيضًا.

 

ظهر لنا بعدها عدد كبير من الإعلاميين الذين يطرحون تساؤلات قد تضر بأمن البلاد، فتواصلنا مع ملاك وسائل الإعلام التي يعملون فيها، ومنعنا استضافة أعداء الوطن، وتضامن الملاك الوطنيون معنا بطرد بعضهم، ومنع نشر مقالات البعض الأخر، إلا أن المؤامرة لم تتوقف، فاضطررنا لشراء معظم وسائل الإعلام عن طريق وسطاء، ونستكمل ما بدأناه لحمايتكم.

 

أتينا لكم بإعلاميين وطنيين، يردون على كل أسئلتكم، ويستضيفون شخصيات هامة وخبراء استراتيجيين، ينقلون لكم حقائق أسرنا لقيادات عسكرية للأعداء. ويزفون لكم بشارة التخلص من كل الأمراض والأوبئة من دون علاج وبجهاز واحد. ويفسرون لكم ما يحاك ضد بلادنا من مؤامرات تبدأ بتجنيد العملاء وصولًا للسحر السفلي الذي يعوق مسيرة البلاد، وملأنا قنواتنا بكل ما يسليكم، ويبث روح التفاؤل.

 

نجح أعداء الوطن في إقناع دول حول العالم بأن ما يحدث في بلادنا استبداد، فاضطررنا إلى استئجار شركات علاقات عامة عالمية، لتحسين صورة بلادكم، وعقد صفقات كبرى أنفقنا فيها الكثير مع دول ذات تأثير، لانتزاع اعتراف بنا.... كل هذا لأجلكم. ثم تواجهنا العقبات نتيجة تآمر كل دول العالم علينا. فيظهر أعداء جدد للوطن من بينكم، ويزداد إنفاقنا على الملف الأمني لمواجهة الأخطار، وما أن ننتهي حتى يظهر آخرون، وهكذا دواليك...
 

أبناء شعبي، مع كل هذه المهام في ملف واحد، كيف لنا أن نوفر أموال لتنمية بلادنا؟ ووسط كل هذه التحديات، هل لدينا وقت للديمقراطية! أقولها صريحة وواضحة باسمكم جميعًا لا وقت للديمقراطية، ليس لدينا ترف التحدث عن الديمقراطية أو التنمية...

 

وهنا لم يستطع أحد الحضور منع نفسه من توجيه سؤاله بصوت عالي: يا زعيم، متى يمكن أن تنتهي هذه الفترة؟

 

نظر الزعيم له باسمًا ابتسامة يظنها ذات معنىـ لكنها كسابقتها، ويقول: عندما لا يكون بيننا من يسألون هذه الأسئلة مثلك...".

 

يضحك الحضور ويصفقون بشدة، ويبتسم الزعيم وهو يترك المنصة متجهًا نحو كرسيه، بينما يختفي صاحب السؤال وسط مجموعة ممن يرتدون البزات السوداء، اصطحبوه إلى خارج القاعة، ولم يلتفت له أي من الحضور الذين انشغلوا بمباشرة دورهم في التصفيق الحاد.

 

بعد انتهاء كلمة الزعيم، وخروجه من القاعة، انصرف معظم الحضور للاستمتاع بتلك المدينة التي سمعوا عنها كثيرًا، بينما انصرف آخرين لمحاولة الحصول على صورة تذكارية مع أحد المسئولين، أو نسج علاقة مع من يبدون متنفذين.

 

(3)

يدق جرس تليفون الغرفة، فيستيقظ الزعيم ويرد على أحد مساعديه الذي يخبره أن موعد الاستيقاظ حان. يغلق الهاتف، ويهم بالقيام استعدادا للخروج إلى الاحتفال الكبير الذي أعد له خصيصًا من أجل إظهار دعم غير حقيقي بعد أن اهتزت صورته، واكتشف كثير من مؤيديه ما ارتكبوه في حق أنفسهم وبلادهم.

 

يلقي نظرة سريعة على الخطاب المعد سلفًا، بعد أن اختلط الواقع بحلمه، ليتأكد أن هذا الخطاب كان كابوسًا، ثم يبتسم حينما يتأكد أن الخطاب ليس بهذا المظهر الكابوسي في وضوحه وصراحته، فيبدأ في الاستعداد للخروج مرددًا في سره، ليس لدينا وقتا للديمقراطية... ليس لدينا وقتا للديمقراطية.

 

وفي هذه الأثناء كان أحد أبناء شعبه في أحد أماكن الاحتجاز غير الآدمية، ينتظر دوره في التحقيق الذي يتم معه يوميًا ويعود لزنزانته منهكًا بعد حفلات التعذيب له ولغيره من المساجين على خلفية قضايا رأي، يتذكر كلمات الشاعر مريد البرغوثي:


يقول السلطان لنا:

شدوا الأحزمة لأجل الوطن

الزموا الصمت لأجل الوطن

أطيعوا الأمر و أهل الأمر لأجل الوطن

و موتوا من أجل الوطن

فقلنا: مهلًا

نحن الوطن

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية