رئيس التحرير: عادل صبري 12:04 صباحاً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

أنت لا تفلح في شيء أبدا

أنت لا تفلح في شيء أبدا
12 سبتمبر 2015

أنت لا تفلح في شيء أبدا

ليلى حلاوة

"أنت لا تفلح في أي شىء".. هل تذكرك هذه الجملة بأي أمر من أمور حياتك، أو بشخص معين كان يقولها لك باستمرار، الحقيقة أنها تذكرني شخصيا بعدد من الأشخاص وبعدد آخر من المواقف.

هي جملة بسيطة نقولها لأبنائنا وقالها لنا آبائنا، ولكن هل من الممكن أن نتوقف قليلا أو نهائيا عن التعبير عنها بشتى الطرق، حيث أنها كلمة يمكن قولها في نظرة، أو بحركة يد أو بكلمات أو حتى أحرف بسيطة.

فقط توقف عن قولها لأبنائك وعن قولها لنفسك وعن قولها لأي شخص خلقه الله تعالى في هذه الدنيا.

يبدأ الأمر في ذاكرتي حيث النهاية، فقد تعلمت السواقة حديثا بعد معاناة، وكانت سعادتي لا توصف بهذا الأمر فقد أصبحت أحرك مقود السيارة وحدي واستطيع أيضا أن أصل إلى أقرب نقطة دون اللجوء إلى سائق أو تاكسي، وسأحكي لكم لما كانت هذه السعادة في السطور اللاحقة.

المهم أنني وفي اليوم ربما الخامس على اعتمادي على نفسي كليا ومقاومة كل مخاوفي للدرجة التي أسلم فيها على أبنائي في كل مرة أذهب فيها لأقود السيارة، فاستودعهم الله الذي لا تضيع ودائعه، وكأنني لن أراهم ثانية، أقود السيارة غصب عني وكأن أحدهم يدفعني داخلها عنوة كي أقودها فأصل إلى وجهتي وأقول "أشهد أن لا إله إلا الله.. محمد رسول الله"، وجدت شابا يرتدي ملابس الأمن الخاص وكنت أحاول "ركن" السيارة في مكان للمرة الأولى ضيق إلى هذه الدرجة. قال لي الشاب في عفوية تامة وابتسامة متوسطة وكأنه يجاملني: "الحقيقة أنت سواقتك سيئة جدا".. ابتسمت بدوري وقلت له: "أعرف ذلك".

الأهم أن شابا آخر كان يحاول مساعدتي بالإشارة بيده من الخارج كيف أقوم بعملية "الركن" هذه وهو مبتسما ابتسامة مقبولة جدا تعني: "أدرك تماما أنك تعلمت السواقة حديثا". الشاب الأفريقي الذي يعمل في الأمن أيضا وهو زميل الشاب المصري السابق، لم ينطق بكلمة، هو فقط ساعدني في صمت لأقوم بالعملية الأصعب بالنسبة لي.

سأحكي لكم شعوري بعد موقف كل منهما، فالشاب الأفريقي جعلني أشعر أن هناك أمل ولو بسيط في أن أتعلم كيفية القيام بهذا الأمر ثانية وربما سأحتاج إلى نصف المساعدة التي قام بها معي في المرة الأولى، فشكرته وذهبت، أما الشاب المصري الذي كان يجاملني بقوله ذلك -أن سواقتي سيئة- جعلني أشعر بأنه ياليتني ما ركبت سيارة أبدا. وبالفعل تعمدت منذ قوله ذلك أن أركن السيارة في مكان يسهل الركن فيه ولا داعي لنزول الجراج مرة أخرى.

بالتأكيد هو لا يعرف أن كلمته كانت سيئة لهذه الدرجة أو أن الأمر سيظل ببالي. ولكن هذا ما حدث، وهذا ما يحدث في كل مرة نقول فيها لأي شخص كان، "أنه لا يفلح في عمل شىء ما".

هذا الشخص بالتأكيد لا يعرف قدر المقاومة التي مارستها مع نفسي الخائفة من تجربة السواقة. حتى وصلت إلى هذه المرحلة التي أصبحت فيها أركب السيارة وأمشي بها وحدي في الشارع، فهذا بالنسبة لي كان أقصى طموح. جعلني أشعر أن هناك أمل في أن أتعلم شىء جديد بعد أن فقدته كليا. ليصل الأمر حد أن تدفعني ملك إبنتي ذات السبعة أعوام بقولها "ثقي بنفسك ماما وستقومين بها".. ياللهول.. تمارس معي ما أمارسه معها!.

ثم، نأتي للبداية حيث كان نهار ريف جميل، فناداني والدي وقال لي تعال سوقي الجرار فأخوتك وأولاد عمومتك كلهم في المداس، وكانوا جميعا بالرغم من أنهم أطفال يتم الاعتماد عليهم في سواقة الجرار داخل الحقل للإنتهاء من الأمور المتعلقة بالزراعة. فلم يكن أمرا غريبا أبدا.

فوجئت بوالدي ينادي علي حيث كنت انتظر موعد مدرستي في الفترة المسائية وكنت الوحيدة بالمنزل، ماذا هل يقصد أبي بالفعل أن أسوق الجرار، ياويلي.. فقد كان آخر طموحي في هذه اللحظة أن أذهب إلى فصلي بالصف الأول الإعدادي وأن احاول الاجتهاد في فهم دروسي والرد على أسئلة المعلمين.

ذهبت خلف أبي ليدور في ذهني اسئلة حول مدى معرفتي بسواقة الجرار فلم أمارسها من قبل، ولكنني كنت أعرف أن الأمر بسيطا، فجميع من بالمنزل يركبون الجرار حتى أخوتي الأصغر مني بثلاثة أعوام. فما المانع أن أقوم بذلك أنا أيضا.

لم يناقشني أبي في الأمر، ولم يفعل كما توقعت أن يشرح لي في الأول وببطء كيف سأقوم بالأمر، ولكنه طلب مني ببساطة أن أركب الجرار وأشار لي على المكان الذي يجب أن أدوس عليه بقدمي في حين طلب مني التحرك، كما طلب مني وقتها أن أسير ببطىء، وصعد أبي خلف الجرار على "المقطورة" وأخذ يفرد السماد على أرضنا الزراعية.

قال لي أبي فجأة: "قفي".. ياويلي.. كيف سأقف وأنا لا أعرف سوى هذا الفعل الوحيد الضغط بقدمي على مكان البنزين فأسير ببطء"، سألته بصوت عال حتى يسمعني: وكيف سأقف؟ فرد علي مسرعا: "دوسي على الدواسة في الناحية الأخرى".. وفي محاولة مضنية حيث لم تصل قدمي بسهولة إلى هذه الدواسة البعيدة، فما كان مني سوى أن وقفت نصف وقفة وضغط عليها بكل وزني، وتوقف الجرار.

ولأن منزلنا على الطريق الأساسية في القرية، فقد رآني جميع من في القرية وأنا أسوق الجرار، وحتى أساتذتي وزميلاتي الذاهبات إلى المدرسة.

انتهيت، وطلب مني أبي أن أذهب لأرتدي ملابسي فلا اتأخر على موعد المدرسة.

وبالفعل ذهبت، وكان قد انتشر في المدرسة كلها خبر أن ليلى "البنت"، كانت بتسوق الجرار. سألني أساتذتي: هل حقا فعلت؟ فأجبتهم بكل فخر: "نعم.. بالتأكيد".

هكذا ببساطة..

لم أنس هذه التجربة العزيزة على قلبي، ولن أنسى كل تفاصيلها ما حييت. أحكيها لكل صديق أو قريب كلما كان ظرف الحديث مواتيا. وها أنا احكيها هنا ليس لسبب سوى أنني في مقارنة دائمة بين ما يجب أن نفعله وما يجب الابتعاد عنه حد التحريم.

فقد هالني شأن كثير من الأمهات اللاتي يصفن أولادهن بأمور سيئة في وجوههم عيانا بيانا.. فهن لا يجدن أي غضاضة أو أي تحرج، أو أي نوع من الذنب حينما يقلن لصغارهم: أنت لا تفقه شىء، أنت غبي، أنت لست جميلة، أنت قصير القامة، أنت ضعيف في القراءة ولن تتحسن.. أنت وأنت وأنت...، كما أنهم أحيانا يبررون بعض مواقف اطفالهم في جلسات جماعية مع الأصدقاء أو غيرهم (وأمام الطفل نفسه) بأنه طفل "عنيد" أو "كسول" أو "يحب الشجار".

بالله عليك ياكل أم.. وياكل من يستمد طفلك ثقته في نفسه منك، فأنت مصدر معلوماته عن نفسه وأنت التي يستمد منك حافزه في الحياة.. كيف سيفلح ابنك مادمت قد بنيت داخله منذ صغره ساترا من حديد بأنه لا يفقه شىء أو أنه غبي أو أنه ضعيف.

لماذا إذن سيبذل هذا الطفل المسكين المغلوب على أمره، مجهودا ليتعلم شىء جديد أو ليقاوم مخاوفه لتعلم أمر تطلبينه منه، في حين أنك زرعت داخله من قبل كلماتك التي تعطينها في شكل معلومات مسلم بها بأنه لا يعرف كيف يتعلم أمر جديد.

هل تعرفين كم المقاومة النفسية والعقلية التي يستلزمها أمر أن يتغلب على كلمات زرعت داخل نفسه بأنه غير فالح وأنه لا يتمكن من فعل كذا وكذا..

أخذني أبي للمرة الأولى دون شرح مسبق لأقوم بأمر يشتهر في الريف أنه لا يجب أن تقوم به أنثى ناهيك عن طفلة، ولكنني قمت به كما أراد أبي فقد وثق بي فوثقت بنفسي وفعلتها.

ثم جاء اليوم الذي أردت فيه تعلم ركوب السيارة فدخلت في الرصيف، فأشاح الناس بالشارع في وجهي، فتوقفت كلية ولمدة تقترب من العشرة أعوام عن محاولة حتى التعلم من جديد، فقد كسر داخلي شيء،.. حتى استلزمتني الحاجة الماسة إلى القيام بالأمر مرة أخرى.. فقمت به.. بالطبع تطلب ذلك مقاومات نفسية عديدة ورهبة تكاد تأخذ بأنفاسي فلا استطيع النطق فأتجمد.. ولكنني فعلتها.

وفي النهاية يأتي هذا الشاب اللطيف ليقول لي أن سواقتي سيئة للغاية.. حقيقة وددت لو خبطته في وجهه. ولكنني ترأفت بحاله حيث أننا كشعب مصري لطيف نتربى منذ البداية على فكرة نقد الآخر ومحاولة التفنن في تعقيده.. فرأفة بأطفالكم..

رحمكم الله.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية