رئيس التحرير: عادل صبري 04:10 صباحاً | الأحد 23 سبتمبر 2018 م | 12 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

هذا الرجل وذاك الكلب

هذا الرجل وذاك الكلب
05 مايو 2015

هذا الرجل وذاك الكلب

ليلى حلاوة

حتى لا تظنوا بي الظنون ويأخذكم العنوان إلى أماكن أخرى لم أقصدها، فللرجل وللكلب قصتان مختلفتان وسأروي لكم كلا منهما.

فقد كنت أقف بالشارع منتظرة مرور أي تاكسي والذي يطل بلونه الأخضر من بعيد كأنه عملة نادرة، فهو وسيلة النقل العامة الوحيدة المتاحة والمكلفة جدا في نفس الوقت، كما أنه يمثل وسيلة النجاة الوحيدة الكفيلة بإنقاذك من الوقوف في الشارع ببطن ممتدة متر إلى الأمام في وقت ظهيرة تتجاوز حرارتها الخامسة وأربعون.

اعتدت أن أقف وحدي في هذا المكان، فالجميع يملك سيارات فارهة يكاد يطير بها طيرا من فوق الأرض، ثم وعلى غير العادة وجدت رجلا يتقدم على نفس الرصيف الذي أقف عليه، جاء من خلفي ليقف أمامي على بعد بضعة أمتار قليلة، لم أعرف لماذا يقف هناك، فالجميع يمر ويذهب دون أن يقف، لم أتخيل أنه هو الآخر ينتظر إحدى تلك السيارات النادرة المرور، ولم يخطر ببالي أنه تقدمني ببضع خطوات وهو رجل معافى "طول بعرض" ليلتقط أول تاكسي يصعب تواجده أصلا في مثل هذا الوقت.

حافظت على هدوئي ولم "أهري وأنكت في نفسي" من هذا الفعل الذي يغيظ. حتى التقط الرجل بالفعل أول تاكسي فارغ جاء بعد انتظار طويل، وقفز فيه وذهب، وظللت واقفة في مكاني منتظرة فرصة أخرى، حتى أتت من شارع جانبي قريب سيدة طويلة بذراعين مكشوفين وشعر أصفر حقيقي غير منقوع في "حلة من العدس" لتبتسم قائلة: هل تنتظري تاكسي أنت الأخرى، فقلت لها نعم، لتستدرك قائلة: غير معقول أن تمر كل هذه التاكسيات محملة دفعة واحدة ولا يوجد واحد فارغ.

مرت دقيقة ثم سألتها إن كانت متجهة نفس الوجهة فربما نحصل على سيارة نجاة واحدة، ولكن اتضح أنهما وجهتين وليسا وجهة واحدة.

تضرب السيدة بنظرها إلى الأمام وتستأذن في الذهاب، فقد لاحظت أن هناك تقاطع على بعد مائتي متر وتمر به كثير من السيارات الخضراء.

أثناء سيرها السريع بساقيها الطويلتين متجهة إلى هذه الناحية، توقف بجوارها أحد تلك التاكسيات الذي جاء على حين غرة وبسرعة مذهلة، ولكن السيدة لم تقف سوى ثوان لتشير إلى سائق التاكسي على مكاني، مجبرة إياه على أن يقصدني أولا فلم يكن هناك أحد آخر ينتظر، وأنقذني التاكسي من سخونة الهواء الذي من فرط سخونته يأبى أن يدخل إلى جهازك التنفسي.

وقف التاكسي وقبل أن أدخله، نظرت إلى السيدة نظرة خاطفة علي أستطيع شكرها بإشارة من يدي إلا أنني وجدتها تكمل طريقها بذات السرعة التي كانت تمشي بها مستكملة إلى وجهتها حيث التقاطع.

بمجرد أن جلست في التاكسي حتى أخذني تفكيري إلى مقارنة موقف السيدة الأجنبية بموقف ذاك الرجل العربي بامتياز.

ولا أعرف لما تذكرت في هذه اللحظة بالذات قصة ذاك الكلب، الذي أخذ في النباح فجأة في المنزل خلف منزلنا، ولم يكن يحلو له النباح سوى ليلا وخلف غرفة نوم الأطفال مباشرة، كان صوته مخيفا، ومزعجا، ولا يتوقف طيلة الليل، انتظرنا أن يتوقف صوت النباح كل ليلة ولم يتوقف، وفكرنا في حتمية الذهاب إلى المسئولين عن تلك المباني كي يعرفوا من أين يأتي هذا الصوت ولما؟ حتى يتم انقاذنا من هذه المأساة الليلية. 

ولأننا ننسى كل صباح الذهاب إلى حيث يمكننا تقديم شكوى، فقد أصبحنا نعاني عدة من الليالي، حتى أتى رجل الأمن برجله إلى باب بيتنا ليسأل: هل تمتلكون كلبا هنا؟، فاتسعت عيناي، أخيرا جئت بقدميك، أجبته مسرعة ومتسائلة في نفس الوقت: هل تقصد الكلب الذي يستمر في النباح كل ليلة؟، قال نعم، قلت له: مصدر الصوت يأتي من المبنى خلفنا مباشرة، فاستدرك الأمني شيئا في رأسه ولمعت عيناه على الفور، ثم قال: إذن هو ذاك الكلب الذي تركه أصحابه لدى جارهم لأنهم في عطلة وسيعودون خلال أيام.

تابع الأمني قائلا: "لقد جاءني رجل يقول أن هناك كلبا يصدر صوتا كالبكاء كل ليلة"، لهذا جئت اسألكم إن كان لديكم كلبا هنا، ثم سألني: هل صوت النباح الذي تسمعينه يشبه البكاء، فأجبته مسرعة: نعم، إنه كذلك.

ولأول مرة أشعر بالغباء الإنساني الشديد، فقد كنت على وشك الذهاب لرجل الأمن من أجل أن أشتكي نباح الكلب، الذي ظننته "مسعورا" من فرط صوته المخيف والعالي والمزعج،  وفكرت كم أن أصحاب هذا الكلب لا يشعرون ولا يتفهون معنى "الجيرة" لأنهم يطلقون كلبهم علينا كل ليلة ليزعجنا بنباحه المخيف. هكذا كانت ستكون صيغة شكواي إلى رجل الأمن (كلب مسعور وشكوى وجيران لا يقدرون).

في المقابل، وجدت أن الرجل الذي ذهب إلى رجل الأمن قبلي لم يشتكي ولكنه على ما يبدو قد ذهب ليطمئن على هذا الكلب الذي يعلو صوته بالبكاء، لنكتشف لاحقا أنه صوت بكاء حقيقي، فالكلب كان يفتقد أصحابه بشدة وإلى الحد الذي لا يجعله يستكين أو يهدأ، فيظل يبكي طوال الليل مناديا عليهم بصوته المرتفع جدا والمزعج جدا، علهم يشعرون بألم افتقاده لهم فيرجعون مسرعين.  

طمأنني رجل الأمن بأن هذه العائلة على وشك العودة، فالأجازة المدرسية على وشك الانتهاء، ولابد من رجوعهم، والاستمتاع بالهدوء مجددا.

وبالفعل مر يومان فقط، وبدأت الدراسة، وسكت الكلب تماما عن النباح.

هنا أدركت أنه أمامنا كثير جدا حتى نعرف كيفية التعامل الإنساني فضلا عن الحيواني.

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية