رئيس التحرير: عادل صبري 08:54 صباحاً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

القمع لدواعٍ وطنية !

القمع لدواعٍ وطنية !
09 أغسطس 2016

القمع لدواعٍ وطنية !

تامر أبو عرب

(1)

"من بين جميع أنواع الطغيان، يتميز الطغيان الذي يُمارس من أجل مصلحة ضحاياه بأنه الأشد قمعاً، فربما من الأفضل أن تعيش في نظام لأباطرة الفساد على أن تعيش تحت حكم السلطة المطلقة لمدعي الفضيلة الذين يتدخلون فيما لا يعنيهم. فالظلم الذي يمارسه أباطرة الفساد قد يخمد أحياناً، وقد يصل جشعهم إلى مرحلة الإشباع، لكن الذين يقمعوننا من أجل مصلحتنا كما يدعون، سيستمرون في قمعهم إلى ما لا نهاية، لأنهم يفعلون ذلك بضمير مستريح".


الكاتب والباحث الأيرلندي سي إس لويس.
 

(2)

"نيجى نعمل مشروع قناة السويس وتجهيزها لقناة تجابه التطور فى التجارة العالمية على مدى 30 سنة يطلع ناس يقولك القناة بتخسر، طيب أنت ماتعرفش دخل القناة كام ومساره فين؟ نيجي نعمل المليون ونص فدان يقولك الجدوى الاقتصادية بتاعة المشروع إيه؟"


يفترض الرئيس السيسي أن أحدا من المصريين لا يعرف دخل قناة السويس رغم أنه يُنشر دوريًا، ويستنكر سؤال بعض المصريين عن الجدوى الاقتصادية لأحد المشروعات القومية، وهو حق بديهي لأي مواطن، لذلك لم يكن غريبا أن تخرج مصر من فشل اقتصادي إلى آخر طالما يعتقد المسؤول الأبرز في الدولة أن مجرد السؤال عن الجدوى الاقتصادي تجاوُز.


كلام السيسي يعبر عن الطريقة التي أدار بها الرؤساء المُتعاقبين مصر، نحن نعرف مصلحتكم، أدرى بما يجب وما لا يجب، أعلم بالمخططات الخارجية والداخلية وسنتعامل معها دون أن تعرفوا ما هي هذه المخططات ولا كيف تعاملنا معها، وهكذا ينفرد الحكام بسلطة اتخاذ القرارات، وينفرد الشعب بدفع فاتورتها.


(3)

في سجون مصر الآن عشرات الآلاف، الغالبية العظمى منهم مظلومين أو موجودين خلف الأسوار بمحاظر تحريات وهمية واتهامات ملفقة أو دون اتهامات أصلا، هذا أمر لا يستطيع أحد أن ينكره، السيسي نفسه قال نصا: "لا أنكر وجود شباب أبرياء داخل السجون نتيجة الحالة التى تمر بها مصر"، كان ذلك في فبراير 2015، ومن وقتها لم يتم الإفراج سوى عن عشرات معدودة من الشباب المحبوسين معظمهم كانت فترة حبسه قاربت على الانتهاء.


عدم معرفة الرئيس بوجود مظلومين في السجون مشكلة، لكن المشكلة تصبح أكبر عندما يعرف الرئيس ذلك ويتقبله ويتفهمه ويقدم له مبررات ويقضي 16 شهرا بعده في الحكم بضمير مستريح دون أن يرد هذه المظالم أو يحرر هؤلاء المظلومين.


هذا الخطاب ستسمعه من أي مسؤول قد تجلس معه أو تحاوره، سيعترف بوجود مظلومين في السجون، لكنه في نفس الجلسة سيحاول إقناعك بأن مصلحة البلد تقتضي ذلك، وأن كل حرب لها ضحايا وأن هذه الأخطاء سيتم تصحيحها مع الوقت، يمر الوقت ولا تُصحح الأخطاء بل تُضاف إليها خطايا جديدة، والمبرر جاهز دوما: مصلحة الوطن.
 

(4)

لم يثبت التاريخ أن أي طغيان مورس في مصر بدعوى أنه لمصلحة الوطن جلب فعلا مصلحة للوطن، ورغم ذلك يأتي كل رئيس ليكرر التجربة.


في كل خطاب يطلب الرئيس من الناس التبرع لأجل إقامة المشروعات القومية، يستدعيهم حين يرغب في مطالبتهم بالصبر على الظروف الاقتصادية، وعندما يحين موعد اتخاذ القرار يتخذه الرئيس منفردا ويعتبر في السؤال عن الجدوى الاقتصادية لمشروع ما إساءة أدب.


يفترض الرئيس أن قراراته كلها لصالح الوطن، هذا وهم، ليس فقط لأن التجارب السابقة تؤكد أن كثيرا من قرارات الرئيس وحكوماته تسببت في إغراق البلد بدلا من إنقاذها، بل لأن هذه الطريقة في الحكم لم تعد صالحة في هذا العصر، ولأن طريقة الحاكم الفرد العالم بتفاصيل كل شيء القادر على فعل أي شيء العصي على أي مساءلة لم تأت لمن حاول تطبيقها إلا بالخراب.


في كل خطاب يكشف الرئيس مجددا أنه راغب في السير على الطريق نفسه، طريق احتكار الوطنية والمعرفة المطلقة، طريق الاكتفاء بالنفس والاستغناء على الجميع، طريق أدخل من قبلنا في المتاهة ونصمم على تكرار التجربة.


(5)

"أليس من العار أن تُترك مقدرات أمة تحت رحمة مواطنين يتصرفون بهذه المقدرات بخفة ومجون كما لو كانوا يلعبون الورق؟".


هكذا كان يظن أدولف هتلر أنه يحمي ألمانيا من عبث الشعب، وأنه حين يحكم بلده بالحديد والنار سيبعد عنها الشرور، ولكن بعد هذا التصريح بسنوات قليلة خسرت ألمانيا الحرب وخضعت لشروط مذلة وانتحر هتلر، تسبب في سقوطها حين كان يظن أنه يحميها، وجلب لها الهزيمة بينما كان يعتقد أنه يقودها للنصر.


الآن لم يعد هناك حاكم فرد يحمي ألمانيا، الآن تُركت مقدراتها تحت رحمة مواطنيها وهو الذي كان يخشاه هتلر، الآن أصبحت ألمانيا القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا.


أكبر معروف يمكن أن يسديه أي حاكم لبلده أن يعصمها من نفسه، ذلك أن ما يفعله استبداد فرد في بلد يفوق عشرات الأضعاف ما قد يفعله بها الغزو الخارجي والقلاقل الداخلية.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية