رئيس التحرير: عادل صبري 09:57 مساءً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

رقصة العرضة السعودية ورقصة الفلامنكو الأندلسية

رقصة العرضة السعودية ورقصة الفلامنكو الأندلسية
30 مايو 2017

رقصة العرضة السعودية ورقصة الفلامنكو الأندلسية

ثابت عيد

رقصة العرضة السعودية ورقصة الفلامنكو الأندلسية

ينبغي أنْ تتصدّر قضيّة صحّة المواطن السّعوديّ-العربيّ-المسلم اهتمامات أجندة الإصلاح السّعوديّة (٢٠٣٠).

 

السّعوديّة وسائر دولنا العربيّة بحاجة إلى مواطن، عربيّ، مسلم، قويّ، يتمتّع بالصّحّة والنّشاط والحيويّة، ولا تقلّ إنتاجيّته عن نظيره في الدّول الغربيّة.

 

لن يحدث هذا إلّا بمحاربة السّمنة، والعمل على رفع اللّياقة البدنيّة للمواطن السّعوديّ-العربيّ-المسلم بشتّى الطُّرقِ والأساليب.

 

ويهمّني هنا أن ألفت نظر القارئ إلى أهميّة الحركة في حياتنا من ناحية، وضرورة ربط الحركة بالمتعة من ناحية أخرى.

 

والرّقص الهادف المعتدل يمكن أن يكون وسيلة فعّالة وجميلة وناجعة لمحاربة السّمنة، والاعتناء بصحّة مواطنينا.

 

ورقصة الفلامنكو الأندلسيّة يجمعها قاسمٌ مشتركٌ مع رقصة العرضة السّعوديّة. فالرّقصتان جميعًا تجمعهما الصّرامة، والجدّيّة، والكبرياء، والاستنفار للدّفاع عن الأوطان.

 

ورقصة الفلامنكو هي من وجهة نظر بعض المؤرخين رقصة عربيّة صميمة، وإن كان من يمارسها اليوم معظمهم من غجر أسبانيا.

 

ونحن نقول إنّها أندلسيّة، ليس مجازًا، بل لأنّ إقليم الأندلس، في جنوب أسبانيا، هو موطنها الأصليّ. فأطفال غرناطة وأشبيليّة ومالقة وقرطبة يتعلمّون هذه الرّقصة منذ نعومة أظافرهم.

وكثيرًا ما يُعبّر سكّان شمال أسبانيا، خاصّة في مدريد، عن ازدرائهم للأندلس، من خلال نفورهم من رقصة الفلامنكو الشّهيرة!!

 

لكنّ أصدقائي الأندلسيّين الّذين لا أستبعد جذورهم العربيّة، يسخرون من سلوك سكّان مدريد، قائلين: «يكفينا شرفًا أنّنا نعيشُ في أجمل منطقة في العالم. وأهل مدريد لا يرون هذا الجمال إلّا في الأعياد»!! وبعدُ.

 

«أجندة ٢٠٣٠» ينبغي أنْ تؤكّد أهميّة الرّياضة والحركة والرّقص الهادف في تكوين «الإنسان الكامل»، الإنسان المنتج، المبدع، القويّ، المتعلّم، الصّحيح.

 

وأقدّم في السّطور التّالية قصّتي مع فنّ الفلامنكو، وحوارًا أجريته مع نينا كورتي، أشهر راقصة فلامنكو سويسريّة، وهي فنّانة عالميّة شهيرة لعلّها تستطيع إمتاع الجمهور السّعوديّ قريبًا بفنّها الرّاقي..

 

شاهدتُ رقصة الفلامنكو لأوّل مرّة عندما كنتُ طالبًا في جامعة زيورخ، قبل نحو عشرين عامًا. كنتُ أتعجّبُ من الجدّيّة الّتي تبدو على ملامح وجه الرّاقصةلم أفهم كيف يمكن الجمعُ بين اللّهو والجدّ، وكيف يمكن لراقص أو راقصة أن يكونا بمثل هذه الجدّيّة المبالغ فيها حقًّا. ومرّتِ السّنونَ دونَ أن أجدَ فرصة لدراسة هذا الفنّ وجذوره التّاريخيّة. وفي مطلع تسعينيّات القرنِ الماضي قابلتُ عميدةَ الاستشراق الألمانيّ، الصّديقة أنّا ماري شيمل. كنتُ في ذلك الوقت مشغولًا بدراسةِ تاريخ الفكر العقلانيّ في الإسلام. ويعرفُ من مرّ بمثل هذه التّجربة ما ينتابُ المرء عندئذٍ من أحاسيس قويّة تصل أحيانًا إلى درجة الاستعلاء والغرور، بسبب فتنة العقل، ودراسة «علم الكلام». كنتُ استحقرّ كلّ ما هو غير عقلانيّ، وخاصّة الفكر الصّوفيّ. لكنّ شخصيّة أنّا ماري شيمل أثارت اهتمامي وإعجابي، وجعلتي أتطلّع إلى دراسة أعمالها. فهي درّست مادّة «التّصوّف الإسلاميّ» في «جامعة هارفارد» الأمريكيّة نحو خمسةٍ وعشرين عامًا. وكتابها: «أبعاد صوفيّة للإسلام» مازال يعتبر من المراجع الكلاسيكيّة عن التّصوّف في جامعات أوروبّا وأمريكا. سألتني شيمل عن دراساتي وأعمالي في ذلك الوقتِ، ثمّ قالت: «لابدّ أن تدرسَ الصّوفيّة، حتّى تكتمل معارفك»! وبعد ذلكَ بعدّة سنواتٍ شرعتُ أترجم أحد أعمالها من الألمانيّة إلي العربيّة. وبعد أن انتهيت من التّرجمة، لم أكن راضيًا عنها، فرفضتُ نشرها. فغضبت منّي شيمل غضبًا شديدًا، وجعلت تنتقدني بمرارة، قائلة: «أنت تبالغ جدًّا في دقّتك. أنت حنبليّ أكثر من الحنابلة»! وكان سبب عدم رضائي عن التّرجمة هو شعوري بنقص معلوماتي في ذلك الوقتِ. فهي قد سافرت إلى بلدان العالم الإسلاميّ، وشاهدت بنفسها الآثار الإسلاميّة هناك، فوصفتها وصفًا حيًّا رشيقًا. في حين أنّني لم أشاهد هذه الآثار الإسلاميّة، فشعرتُ بالعجز عن نقل روح النّصّ إلى القارئ العربيّ، ففضّلت تأجيل النّشر عن التّسرّع في نشر ترجمة لم أكن راضيًا عنها. قلتُ لها: «أنت شاهدتِ هذه الدّول، فأحسنتِ وصفها. أمّا أنا، فلمَ أرَ من دول عالمنا الإسلاميّ إلّا دولتين أو ثلاثًا فقط». نظرت شيمل إليّ، وقالت بمواساة: «أنت مازلتَ صغيرًا، وسوف تزور هذه الدّول قريبًا، وتشاهد ما تريدُ من آثارها الإسلاميّة». وفي ربيع سنة ١٩٩٩م كانتِ البداية، حيث قرّرت زيارة الأندلس لأوّل مرّة في حياتي. اقتصرت زيارتي هذه على مدينتي «غرناطة» و«قرطبة». قامت نانسي، مديرة شركة «هوتيل بلان» في زيورخ، بعمل الحجوزات اللّازمة لي، حيث انتقت لي أجمل فندقين في هاتين المدينتينِ العريقتينِ، الأوّل هو: «فندق الهامبرا بالاس» (أي: «فندق قصر الحمراء»)، والثّاني هو: «فندق أوكسيدنتال». وهكذا ذهبتُ إلى الأندلس حاملًا معي حنينًا عميقًا، وشوقًا كثيرًا، وتلهّفًا عجيبًا لرؤية آثار الأجداد وأمجاد الآباء. لم أكد أصل إلى فندق «قصر الحمراء» الفخم، حتّى وجدتُ نفسي أفكّر في «الفلامنكو». تذكّرتُ فجأة الجذور العربيّة لهذا الفنّ الرّاقي. ذهبتُ إلى موظفِ الاستقبال. سألته عن إمكانيّة مشاهدة هذا الفنّ في غرناطة. قال إنّ غرناطة هي مدينة « الفلامنكو» الأصيلة. رجوته أن يحجز لي مائدة في أفضل مكانٍ يُقدّم هذه العروض في المدينة. في الموعد المحدّد أخذتني سيّارة أجرة إلى أحد أحياء مدينة غرناطة القديمة. كانت رسوم الدّخول تشمل وجبة عشاء ومشاهدة عدّة عروض لرقصة الفلامنكو. وأدركتُ لأوّل مرّة أنّ نظام الحياة في أسبانيا يختلفُ عن نظيره في سويسرا. ففي تذكرة الدّخول لاحظت أنّ العرض لن يبدأ قبل العاشرة مساءً. وهذا يعني أنّ تناول وجبة «العشاء» سيكون أيضًا بعد العاشرة مساءً. اندهشت من هذا الاختلاف الكبير بين سويسرا وأسبانيا في تقسيم ساعات اليوم. في سويسرا يتناول النّاسُ وجبة «العشاء» في حدود السّادسة أو السّابعة مساءً. وفي جنوب أسبانيا بالذّات لا يتناولون «العشاء» قبل العاشرة مساءً. قادني مدير المسرح إلى مائدتي المحجوزة، لينطلق العرض بعدها بقليل.

 

 كان العرض يتكوّن من رقصات مختلفة لراقص وراقصة. لاحظتُ أنّهما لا يرقصان معًا أبدًا، بل يرقص كلّ منهما على حدة. مازلتُ أتذكّر تعبيرات وجه الرّاقصة بالذّات. الابتسامة ممنوعة. الثّوب يغطي الجسم كلّه. لا مجال للهو أو الهزار هنا. هذه ليست رقصة. هذه معركة حربيّة ضاريّة. ملامح الوجه تُعبّر عن القوّة، والأنفة، والكبرياء. قرع الأرض بالأقدام يرمز إلى ضرب العدو وسحقه. الرّاقصة تقول وتعلن أنّها في مهمّة حربيّة مقدّسة، وعلى المشاهد ألّا يحملق في مفاتن جسدها، بل ينظر إلى استبسلاها في سحق العدو ودحره. ثوب الرّاقصة يكاد يشبه ملابس جنود الصّاعقة. هو معدّ للقتال، ومصمّم للمعارك. لا مجال للعبث، أو الهزل، أو اللّهو في الفلامنكو. بل هو مهمّة مصيريّة، ومعركة حياة أو موت. هذا هو الفلامنكو كما أفهمه. هذا فهم راديكاليّ لا محالة، لأنّ معظم النّاس يعتبرون الفلامنكو لونًا من ألوان اللّهو والطّرب. فهمي هذا يذكّرني بفهم صديقي محمّد منصور، أستاذ التّحكّم الآليّ في جامعة زيورخ، للإسلام، حيث يقول: «الإسلام هو علم وعمل وأخلاق». قلتُ له: «إذا طبّقنا هذا التّعريف على مسلمي عصرنا، فلن ينجح في الامتحان، إلّا واحد أو اثنان في المئة فقط». قال: «هذا صحيح»! وهذا بالفعل ما عايشته لاحقًا مع الفلامنكو. فقد شاهدتُ بعد ذلك عروضًا كثيرة لرقص الفلامنكو، لم أشعر بأيّ أصالة أو صدق في أدائها. في قرطبة شاهدتُ أكثر من عرض «تجاريّ» لرقص الفلامنكو. عروض مخصّصة للسّيّاح الّذين لا يعرفون شيئًا عن تاريخ هذا الفنّ الرّاقي العريق. وبعد ذلك بسنوات دعاني مدير فندق «لاس دوناس» في ماربيا، لحضور عرض « الفلامنكو» في الفندق. فلمّا لبّيت الدّعوة بحماس، صدمني المستوى الضّعيف جدًّا للأداء. سألني المدير في اليومِ التّالي عن رأيي. فقلتُ له: «ليس لهذا الرّقص علاقة بالفلامنكو الحقيقيّ». فنظر إليّ متعجّبًا، وقال: «لكنّ العرض أعجب كلّ السّيّاح الّذين حضروه»! قلت: «لأنّهم لا يفهمون شيئًا عن الفلامنكو».

 

وليس تكتمل صورة «الفلامنكو» بدون الإشارة إلى المطرب، أو المغنيّ، أو المنشد. فعنصر الجدّيّة والصّرامة لدى الرّاقصات يقابله لدى مغنى الفلامنكو عنصر الكآبة والحزن. فيا له من فنّ رهيب حقًّا. الرّاقصة لا ترقص، يا ناس، بل تقاتل. والمغنىّ لا يغني، بل يبكي وينتحب ويتألّم. إنّ فنّ الفلامنكو هو فنّ ليس عاديّا، بل هو فنّ يلخّص لنا تاريخًا طويلًا من الأمجاد والآلام، من الذّكريات الأليمة، والمشاعر العميقة.

 

قد يعترضُ البعضُ على الكتابة عن موضوع الرّقص، معتبرًا أنّ هذا كفر وإلحاد، وخروج من دائرة الإيمان،، إلى عالم الفجر والخلاعة. لكن ليس الأمر كذلك. فديننا الحنيف يأمرنا بطلب العلم، وبدراسة كلّ ما يدور حولنا. وليس من الإسلام في شيء التّسرّع بوسم الآخرين بالكفر، لمجرد اختلافهم عنّا. والأهم من كلّ هذا هو أنّ المجتمعات المتقدّمة صارت تستخدم الرّقص في عصرنا هذا كنوع من العلاج. فالرقص حركة، والحركة قد تكون جادّة هادفة، وقد تكون خليعة داعرة. هذه الحركات يحتاجها الجسم الإنساني، لحفظ الصّحّة، أو المساعدة في استردادها بعد فقدها. والرّقص فضلًا عن هذا هو وسيلة من وسائل التّعبير الفنّيّ. ويكفي أن نلاحظَ أنّ أشدّ المجتمعات العربيّة تحفظًا وتشدّدًا يعرف أفرادها الرّقص، ويمارسونه. الرّقص إذن قد يكون لعلاج الجسم من مرض عارض، أو لإدخال السّرور على النّفس من خلال تحريك الجسم.

 

تحكي بعض الروايات التّاريخيّة أنّ رقصة الفلامنكو الأندلسيّة الأسبانيّة قد ظهرت بعد سقوط الأندلس، وهزيمة المسلمين، واستيلاء الكاثوليك على الحكم في أسبانيا. فيُقالُ إنّ أحد الحكّام الكاثوليك استدعى بعض النّساء العربيات، ليرقصن أمامه. وكانت هؤلاء النساء غاضبات، ناقمات، ساخطات، من سقوط الحكم العربيّ في الأندلس، فإردن التّعبير عن مشاعر الكبرياء العربيّ، وإبلاغ الحاكم أنّ الكاثوليك قد يكونون انتصروا على المسلمين في معركة، إلّا أنّهم لم يهزموا المسلمين، ولن يهزموهم أبدًا. هكذا نشأت هذه الرّقصة لتُعبّر عن رفض الاستسلام، وتُعلن عن الكبرياء العربيّ، بل وتصوّّر انتصار هؤلاء النّسوة على أعدائهن في معركة حربيّة رهيبة جرت رحاها أثناء هذا العرض الرّاقص، حيث لم تتوقفِ النساء عن قرع الأرض بأقدامهن، وكأنهن يصارعن أعداء العرب، ويوجهن إليهم ضربات قاضية. هذه الرّواية تقدّم تفسيرًا معقولًا لأهم معالم رقصة الفلامنكو: الجدية، والكبرياء، والحزن.

 

الفلامنكو هو موسيقى

ثمة أنواع مختلفة من رقصة الفلامنكو. فهناك رقصة Alegrias وهي تتميز بموسيقى مرحة وغناء نشيطط قويّ، ورقص خفيف. ثمّ رقصة Sevillanas وهي رقصةة سريعة يمارسها فردين، وغالبًا ما تمارس أثناءء الأفراح والأعياد. ورقصة Soleares الّتي تتميّز بأنغامم وقورة، وإيقاع جليل. وهي من أقدم أشكال الـ cante jondo  (أغنية عميقة)   - ثم رقصة Soleá por Bulerias  الّتي يقال إنّها «ملكة الفلامنكو» وتتميّز بالوقار والقوّة المتحفظة،  وهي أسرع قليلًا من رقصة الــ soleares  - ثم رقصة Bulerias  وهي رقصة معبّرة ظريفة.. تتميّز أغنيتها بالسّرور والفرح. لكنّها تحتوي أيضًاا على عناصر من Jondo  وتتطلّب درجة عالية منن الإحساس بالنّغم. تتميّز هذه الرّقصة أيضًا بالمرونة،، حيث يمكن ارتجال كثير من أشكالها. ثمّ رقصة Fandangos de Huelva   وهي رقصة ذات شكل قديم، بمؤثرات عربيّة وشمال أسبانيّة، ويمكن تصنيفها ضمن الرّقصات الشّعبيّة، مثلها مثل رقصة Sevillanas  - ثم رقصة Siguiriyas  وتتميز أنغامها بالحزن الشّديد،، وتمثّل رقصة الفلامنكو الكلاسيكيّة. نشيد أو موسيقى هذه الرّقصة تتميز بالقوّة الضّاربة والغضب الشّديد والحزن العميق. في عصرنا هذا تمارس رقصة الـ siguiriya  وهو ما لم يكن يحدث فيي الماضي. الغناء والرّقص على ألحان الـ siguiriya  يتطلّب درجة عالية من قوّة التّعبير، وشخصيّة قويّةة من الرّاقص المعبّر عن هذه الألحان. ورقصة Toná  وتعتبر أقدم أصناف أناشيد الفلامنكو. ورقصة التانجوس Tangos  الّتي لا تربطها أيّ علاقة برقصةة التّانجو الأرجنتينيّة - حيث تعدّ من الأشكال القديمةة جدًّا للفلامنكو، وهي ذات إيقاع يمكن تذكّره بسهولة. يكوّن الـ Tangos  مع الـ siguiriya  والـ soleá  والــ toná  حجر الزّاوية للفلامنكو. ينبغي التّمييز بينن رقصة الفلامنكو هذه، ورقصة التّانجو في أمريكا اللّاتينيّة. ثمّ تأتي رقصة Tientos هي رقصة تطوّرتت وانبثقت من الـ Tangos لكنّها بعكس هذه الأخيرة،، بطيئة، وتعتبر واحدة من الـ cante grande.

 

سؤالما هي الرّسالة الّتي يُعبّر عنها رقص الفلامنكو؟

جواب: سؤال شائق. لكنّه يفترض وجود « الفلامنكو» كشكل فنّيّ واضح. في اعتقادي أنّنا لا نستطيع اليوم طرح هذا الافتراض. إنّ الفلامنكو قد استوعب مؤثرات ثقافيّة وتجاريّة جمّة، بحيث صارت له أشكال كثيرة جدًّا تبدأ بـ «لستُ على ما يُرام»، مرورًا بـ «إنّي أُحبّك»، وصولًا إلى «إنّى أريد أموالك». إلّا أنّ روح الفلامنكو - من وجهة نظري - تكمن في تاريخه وماضيه.

إنّ جذور الفلامنكو مازالت تقبع للأسف في ظلمة التّاريخ أو عتمته. صحيح إنّ الغجر يحرصون علىى التّشديد على أنّ هذا الشّكل الفنّيّ قد وُلد عندهم. إلّا أنّ التّأثيرات العربيّة والأسبانيّة القديمة لا يمكن تجاهلها. لقد نشأ الفلامنكو في البداية كنغمة حزينة شاكية غاضبة من أعمال التّنكيل والقمع الّتي عانى منها الفقراء من الفلّاحين والغجر. بل إنّ الغجر كانوا محرومينَ من الحماية القانونيّة! لم يكن لهم أيّ حقوق، وكانوا معرّضين لِتَـعَـسُّـفِ الآخرين وقهرهم. كان هناك أسباب ودوافع كافية للشّكوى والحزن. إلّا أنّ المناسبات السّعيدة كانت أيضًا محسوسة وملموسة ومعاشة، مثل الإحساس بالحبّ، ولحظة ولادة طفل، وغير ذلك من اللحظات السّعيدة.

 

لم تُحفظ الأغاني كتابيًّا، بل كانت تُنقلُ شفويًّا، حيث تطوّرت على مرّ الأجيال. كان هناك المغنيّّ والمستمعون. اندمجوا جميعًا في الموسيقى وانتشوا بها. صفقوا، ضربوا الأرض بأقدامهم، رقصوا. ثمّ دُمجت بعد ذلك آلات بسيطة، مثل الدُّفّ (الرّقّ، أو التّامبورين)، وبعد ذلك بوقت طويل أُدخل الجيتار. لقد سلك الفلامنكو طريقًا طويلًا، من المرجّح أن يكون فقد خلاله بعض أهم معالمه، وذلك بداية من الحقول، ونيران الحقول، وعربات الحقول، حتّى خشبة المسرح الحديث.

 

لم يعد الفلامنكو اليوم - في الغالب للأسف - مرآة للحياة اليوميّة، بل صار في كثير من الأحيان مجرّد مجموعة محبّبة من الصّور النّمطيّة. وبرغم هذا نلمس ونشاهد لدى عظماء مطربي الفلامنكو في عصرنا هذا: ملانخوليا (حزنًا)، وقوّة، وتوحّشًا، يبدو أنّها جميعًا قد أتت من هذه الجذور القديمة. شيء رائع.

 

بالنّسبة لي فإنّ الفلامنكو - بصرف النّظر عن جذوره التّاريخيّة - هو وسيلة للتّعبيرِ عن شخصيّتي وذاتي. وعلى مدى سنوات طويلة لم أتوقّف فيها عن الرّقص قمت بدمج طبيعته وروحه في شخصيّتي، بحيث صار جزءًا من روحي ونفسي. فمثلما استلهم الفلامنكو نفسه جوهره ووجوده من الثّقافات الأخرى، وكان دائم التّغيير والتّعديل، قمت أنا بدوري بتعديله وجعله جزءًا من روحي ونفسي!!

 

أنا اليوم لا أحبُّ أن أسمّى أو أعتبر نفسي راقصة الفلامنكو. فحركاتي أبعد ما تكون عن الحركات التّقليديّة الموروثة لهذا الشّكل الفنّيّ. صحيح أنّني أكنّ أعظم احترام لأساتذة رقص الفلامنكو الأسبان. إلّا أنّ الطّابع البهلوانيّ والآليّ إلى حدٍّ ما الّذي يُميّز عروضهم لا يساعدني على تطوير أدائي. وبرغم هذا فأنا استخدم «أبجدية» الفلامنكو، لصياغة بعض كلمات لغتي. أنا استخدم ألوان الفلامنكو، وأنغامه، وحركاته، من أجل إدخالها وضمّها إلى حركاتي المصحوبة باتّجاهات موسيقيّة أخرى، وذلك من خلال نقلها، وتغييرها، وتعديلها.
 

سؤال: ما هو مصدر عشقك الفلامنكو؟

جواب: أنا نشأت في بيت كلّه موسيقى!! كان أبي  يعزفُ على آلة تشبه الكمان في أوركسترا قاعة زيورخ الموسيقيّة (تونهاله)، وكان شقيقَايّ أيضًا موسيقيّين بالمهنة. كانت الموسيقى تعزف بلا توقف في البيئة الّتي تربّيتُ فيها. كما سُمحَ لنا كأطفال بحضور كثير من الحفلات الموسيقيّة. مازلتُ أتذكّر أنّنا كنا نعود إلى البيت بعد حفلات الأوبرا المسائية ونحن نغني أحسن ما سمعناه من أغاني الأوبرا.

 

في البداية أخذت حصصًا في تعلّم العزف على البيانو، وبالطّبع تعلّمت أيضًا رقص الباليه. كان باب الاشتغال بالموسيقى إذن مفتوحًا أمامي على مصراعيه، عندما بدأت في تعلّم الفلامنكو. الغريب هنا هو أنّني أحسست بألفة وأُنس - بعكس معظم زميلاتي - تجاه عروض الفلامنكو غير المألوفة بالنسبة لدول وسط أوروبا. بدا كلّ شيء وكأنّى قد عثرت على وطني الموسيقيّ، أو كما لو أنّ شيئًا ما بداخلي كان في انتظار سماع هذه الموسيقى.

 

كان الفلامنكو خير معين لي في الفترة الصّعبة من حياتي الّتي انفصلت فيها عن والديّ، حيث جعلته هدفًا لحياتي، وحيث كان خير مرشد لي في مرحلة نموي وتطوري. تحوّلتِ المرّات الأولي الّتي أقمت فيها في أسبانيا إلى نواة أساسيّة لشخصيتي.

 

سؤال: ما هي صلة الفلامنكو بالعرب؟

جواب: أثناء زياراتي للدّول العربيّة تعرّفت عن كثب على الموسيقى العربيّة بحماس وحبّ. بوسع المرء أن يلمس التّشابه الشّامل الملفت للنّظر بين الفلامنكو والموسيقى العربيّة. ليس هذا بمستغرب بالنّسبة لي. لقد حكم العرب أسبانيا ما يقرب من ألف عام. جلب المسلمون الثّقافة والحضارة إلى شبه الجزيرة الإيبيريّة. تُظهر مدن الأندلس اليوم بوضوح - كغرناطة وأشبلية - مدى تفوّق الحضارة العربيّة على نظيرتها الغربيّة في ذلك الوقت.

 

بوسع المرء أن يثبت بسهولة أنّ ألحان الفلامنكو وتفسيره الغنائيّ - مثلهما مثل العمارة العربيّة في غرناطة - يحملان بوضوح الطّابع العربيّ.

 

وإذا كان الفلامنكو حتّي يومنا هذا لا تربطه بمعالم الموسيقى الأصيلة في وسط أوروبا إلّا أقلّ من القليل، فهذا أيضًا ممّا يثبت جذوره الشّرقيّة الهامّة. هذا بالطّبع ينطبق أيضًا على الرّقص.

بيد أنّ الفلامنكو ليس موسيقى عربيّة. لقد طوّر الفلامنكو لغة نغميّة مستقلّة خاصّة به، هي أبعد ما تكون عن مجرّد نسخة باهتة أو صورة ماسخة من الموسيقى العربيّة. وهو في الوقت نفسه قالب يقدّره العرب والأوروبيّون بالقدر نفسه.

 

سؤال: ما هي المدن العربيّة الّتي قمت بزيارتها؟

جواب: أولى جولاتي في العالم العربيّ قادتنا إلى تونس في بداية احترافي لرقص الفلامنكو. مازلتُ أتذكّر الحفلات الّتي أقمتها في الهواء الطّلق في مدينة سوسة، ومرفأ المنستير (على خليج الحمّامات في ولاية سوسة)، ومسرح قرطاجة المدرّج.

 

بعد ذلك أتيحت لي عدّة فرص للرّقص في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة - حيث أقمت هناك ليس فقط حفلات كبيرة متاحة للجمهور، لكن أيضًا حفلات خاصّة «مناسبات درجة أولى» - أقيمت بالطّبع في قاعات داخلية مغلقة، وكذلك في ساحات خارجيّة مكشوفة.

 

أقمت حفلات رائعة في دبي، والبحرين، والدّوحة في قطر، وكذلك في المدينة العصريّة جدًّا أبي ظبي، مصحوبة بلقطات صور مذهلة مع «التّشيكو والغجر»، والأسطورة الجنوبفرنسيّة مانيتاس دل بلاتا، وراقصة سويسريّة «غجريّة» فوق سفينة رائعة، وعلى شواطئ أبي ظبي.

 

كذلك في مسقط بعمان، حيث قضيت ساعات طويلة في الأسواق، وتجوّلت وأنا محتارة بين علب المجوهرات الفضيّة المغطاة بالميناء الّتي لا تُحصى، وبين أقفال الأبواب وكوالينها الحديديّة القديمة الرّائعة الجمال، وبينَ الخواتم والقلائد الفضيّة. مرّ الوقت بسرعة الرّيح، واعتقد زملائي أنّي تهت منهم، أو خُطفت، حيث أبلغوا الشّرطة خوفًا وقلقًا عليّ لتبحث عني. في اللحظة الأخيرة عثروا علي وأنا أساوم الباعة الطّيّبين، وأحتسي الشاي بالنّعناع بين هذه النّفائس الفضيّة والحديديّة.

 

أهداني شابٌّ عربيٌّ مهذّب نبيه - كان قد قام بإرشادنا إلى المعالم الجميلة في قطر، وحاول أن يقدّم لنا وطنه باللّغة الإنجليزيّة - عند الوداع طاقيته النّفيسة المشغولة باليد.

آخر حفلاتي في العالم العربي كانت سنة ٢٠٠٥م في أوبرا القاهرة، وأوبرا الأسكندرية.

 

سؤال: كيف يتصرّف العرب تجاهك وتجاه فنّك؟

جواب: عندما زرتُ تونس كان في فرقتي نجوم فلامنكو أسبان مشهورون، مثل إنريكا مورنتا. شعرت أنّ الجانبين كانا بحاجة إلى بعض الوقت، ليتعوّد كلّ منهما على الآخر، ويقدّر بعضهما بعضًا. فالاختلافات الثّقافيّة محسوسة ومرئية أيضًا في الحياة اليوميّة. لذلك يحتاج الأمرُ إلى شيء من التّفاؤل وشيء من الانفتاح في البداية. إلّا أنّ النّجاح يحوّل الجهد والتّعب إلى سعادة وسرور.

 

يقينًا لا أستطيع أن أعرف مسبقًا تأثير رقصاتي على هذه المجموعات المختلفة من العرب. أنا أودّ أن أمنح النّاس شيئًا إيجابيًا، ولا أريد أن أسبّب لهم قرفًا.

 

فما هو يا تُرى ردّ فعل امرأة عربيّة ترتدي الحجاب أو البرقع تجاه سيّدة أوروبيّة تُعبّر عن مشاعرها بهذه الطّريقة الشّخصيّة؟ في الواقع لم أشعر بالارتياح تجاه هذه المجتمعات ذات البنى الثّقافية المختلفة تمامًا عن أوروبا، ذلك لأنّي كنتُ دائمًا أحسّ وكأنّى بدون قصد قد أسأت إلى هذه البنى الثّقافية أو قمت باستفزازها من خلال حفلاتي. هذا بالطّبع يبدأ بالملابس.

 

برغم كلّ هذا حقّقنا نجاحًا كبيرًا مع كلّ حفلة، ولم نحظَ بتصفيق الجمهور فحسب، بل لمسنا أيضًا استمتاع النّاس بفنّنا من خلال وجوههم المنبسطة السّعيدة. أحيانًا كان يأتي متفرّجون من الجمهور، خاصّة الرّجال، إلى خلف خشبة المسرح، لتهنئتنا. أحد الرّجال العرب بزوجاته الأربع عبّر عن إعجابه الشّديد برقصاتي. ثمّ سألني وهو يشدّ على يدي، إن كنتُ أريد أن أصير زوجته الخامسة، فلا يوجد زوجة من زوجاته الأربع تستطيع أن تنافسني في الرّقص!

 

في أوبرا القاهرة، وأوبرا الأسكندرية، رقصتُ على النّغمات السّيمفونيّة لـ «أوركسترا القاهرة السّيمفونيّة». لاقت رقصاتي بالصّنوج (الصّنج: صفيحة مدوّرة منَ النّحاسِ الأصفر تُضربُ على أخرى مثلها للطّرب)، وضرب الأرض بكعب الحذاء، بقيادة قائد الأوركسترا السّويسريّ كريستوف مويللر، استحسان جمهور غفير.

 

في دبي أقمت حفلة راقية بصحبة عازف الجيتار الأندلسي پيپه چوستيكيا وفرقتي للفلامنكو، في أحد أجمل الفنادق. لقد عبّر الجمهور المتكوّن من رجال أعمال وسياسيّين من شتّى أنحاء العالم عن إعجابه الشّديد بأنغام الفلامنكو.

 

وممّا يدلُّ على تسامح العرب الثّقافيّ والحضاريّ ما يقوم به عشّاق الموسيقى الكلاسيكيّة من العرب من تنظيم حفلات لمشاهير الغرب مثل بلاسيدو دومينيجو.

في ذلك الوقت نظّموا لنا زيارة لأماكن معيّنة ومعالم الإمارات، مثلّ فندق «برج العرب»، حيث دعينا لتناول الغذاء هناك. كم كنتُ أودُّ تلبية الدعوة لإحياء حفلة في هذا الفندق الشهير مع فرقتي في عيد رأس السنة (٢٠٠٥م). لكنّي كنتُ مرغمة على الاعتذار، بسبب ارتباطي بإقامة حفلة في هذا الموعد في مكان آخر من العالم.

 

سؤال: كثيرٌ من المتديّنين يرفضون الرّقص. قال آباء الكنيسة في القرون الوسطى «أينما وجد الرّقص، وجد الشّيطان». ماذا تقولين لمعارضي الرّقص؟

جواب: طوال ممارستي لمهنة الرّقص لم أشعر بهذه النّظرة العدائية تجاه الرّقص إلّا مرّة واحدة. وذلك عندما تمّ إلغاء مقابلة تليفزيونيّة معي للكنيسة الكاثوليكيّة في أمستردام، بسبب هذا الموقف العدائيّ من الرّقص.

 

باعتباري إنسانة متسامحة تقبّلت بالطّبع هذا الرّأي. إلّا أنّي مازلتُ أجد صعوبة كبيرة في فهم هذا الموقف حتّى يومنا هذا. إنّ رفض إقامة رقصات طرب وسرور في أوقات الحزن والحداد، هو أمر طبيعيّ مفهوم. بيد أنّ السّنة لا تتكوّن من أيام حزن وحداد فقط. إنّه موقف صعب الفهم.

 

لقد حدثت أيضًا أشياء أخرى كثيرة باسم الإله في القرون الماضية. أشياء لا علاقة لها مطلقًا بما نادى به المسيح من «حبّ الآخر»، والتّسامح، أشياء لا أفهم معنى رسالتها الإلهية!! كان من المفترض أن يكون عصرنا هذا مختلفًا.

 

إنّ الرّقص كما أمارسه أنا شخصيًا هو بالنّسبة لي نوع من الدّيانة. إنّ له علاقة بالانفتاح، وبالكشف الصّادق لكلّ ما يجتالني من مشاعر أحاول التّعبير عنها من خلال رقصاتي. فأنا كما أنا، وكلّ ما أشعر به في الموسيقى، يرآه المرء في رقصاتي، بلا حيل، بل بصدق، وانفتاح، وعاطفة. أتقاسم شخصيتي مع الجمهور. نحن جميعًا نشحن أنفسنا بالطّاقة الإيجابيّة القوية الّتي تنشأ من خلال هذا الانفتاح. عندما تنطلق الشّرارة، نستطيعُ مضاعفة هذه الطّاقة، لنعود بعد ذلك إلى الحياة اليوميّة وقد تزودنا بهذا الزّاد العظيم. عندئذ يُصبح التّصفيق شيئًا جانبيًا، مقارنة بما أشعر به مع الجمهور من نشوة وسعادة خالصة. مثل هذه اللّحظات تعدّ سعادة خالصة، أجمل ما يمكن للمرء أن يشعر به. أليست هذه عبادة؟!

 

إنّي أبحث عن الشخص الّذي يستطيع أن يبيّن لي لماذا تكون مثل السّعادة من الشّيطان. إنّى أعتقد أنّ الأمر يتعلّق برفض منابع القوّة العاطفية للإنسان. بعض السّياسيّين في عصرنا هذا لا يعرفون قدر هذه المنابع: فمدارس تعليم الموسيقى يتمّ غلقها، ويتم تصفية الأوركسترا والمسارح. وهذا يحدث في وسط أوروبا، حيث نظّم أو لحن باخ، وبيتهوفن، وموتسارت موسيقاهم الإلهية. أليس هذا شيئًا فظيعًا؟

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية