رئيس التحرير: عادل صبري 04:11 مساءً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

أولى مهام الرئيس القادم

أولى مهام الرئيس القادم
20 ديسمبر 2017

أولى مهام الرئيس القادم

يحيى حسين عبد الهادي

 

"هذا المقال يُعَّبِرُ فيه كاتبه عن رأيه الشخصى وليس كمتحدثٍ باسم الحركة المدنية الديمقراطية".

 

نحتاج إلى من يُسَكِّنُ الجروح لا من يُهَيِّجُها .. مَن يطفئُ النيرانَ لا مَن يُؤَججُها .. إذ للمرة الأولى في تاريخ هذا الشعب الطيب يستعر الاحتقان حتى بين أفراد العائلة الواحدة .. وعلى نَمَطِ أثرياء الحرب الذين ترَّبحوا من الأزمات التموينية، ظهر بيننا أثرياء الفتنة الذين يتربحون من استمرارها ويتدفأون بنيران الكراهية .. وكُلَّما خمدَت نارٌ أشعلوا غيرها .. وينزلق الجميع وراءهم بجهلٍ أو سوء نية ..فيُسكتون كل صوتٍ يسعى بين الفرقاء بالعقل، وينهشون صاحبه بالاتهامات .. لم يصمد في اختبار التسامح حتى الآن إلا الإخوة المسيحيون (رغم ما أصابهم من أذىً) وقليلٌ ممن رَحِم رَبِّى من عقلاء هذا البلد وحكمائه.

 

يزدحم المجال العام فى مصر فى العصر الحديث بعدة تياراتٍ (اليسار - الليبراليون- الإسلاميون- الناصريون .. إلخ ) أتكلم عن السياسة لا الدين، والأفكار لا الخناجر .. يتقدم بعضهم أحياناً ويتراجع الآخرون .. وبِغَّضِ النظر عن أعدادهم، فقد ظلوا موجودين ولم يستطع أَىٌّ منهم أن يقضى على الآخرين .. لكن من مشاكلنا المزمنة وجود نفرٍ من المتعصبين فى كل فريقٍ يتوهمون القُدرةَ على محو خصومهم .. وهو خيالٌ مريضٌ لا يضر بمصلحة الوطن فقط .. وإنما يُعادى المنطق .. ولا أدرى إلى متى سيتقاذفنا هؤلاء.

 

هل سننتظر أربعين سنة مثلما انتظرت قبيلتا عبسٍ وذُبيان إلى أن وضع ثلاثةٌ من جيل الأحفاد نهايةً لفتنة داحس والغبراء بدفع ديات كل ضحايا هذه الحرب العبثية؟ .. أم ننتظر كما انتظرت جنوب إفريقيا إلى أن أعلن رجلٌ بقامة نيلسون مانديلا (إن الشعب الشجاع لا يخشى المسامحة من أجل السلام) وعَيَّن غريمَه رئيس الوزراء الأبيض نائباً له، وشكَّلَ لجان الحقيقة والمصالحة للتحقيق فى جرائم البيض والسود على السواء، وتم طَىِّ هذه الصفحة للتقدم للأمام .. أَمَا نغارُ من رواندا؟ .. فمهما بلغت شدة وأسباب الاحتقان عندنا، إلا أنها لا تُقَارَنُ بما حدث في رواندا قبل ربع قرنٍ، عندما نشبت حربُ إبادةٍ أهليةٌ بين عنصرى الدولة (الهوتو والتوتسى) قُتِل فيها في مائة يومٍ فقط نحو مليون رواندى بالمناجل والسيوف واغتُصِبت مئات الآلاف من النساء في بلدٍ كان تعداده 10 ملايين مواطن .. لكن رواندا قفزت على نكبتها وتجاوزت أحزانَها وثاراتِها وأخرست دُعاةَ الفتنة وأنصتت لعقلائها .. وبدأت تجنى ثمار التسامح سريعاً .. دولةً آمنةً تسجل نمواً في الناتج القومى المحلى 7.5% .. شئٌ قريبٌ من هذا حدث أيضاً فى لبنان والجزائر.
 

أَمَّا فى مصر، فبعد تَوَّلِى الرئيس السيسى مقاليد الحكم راودَنى مع الكثيرين أملٌ (ثَبَت أنه وهمٌ) بأن مشروعه العملاق سيكون إزالة الاحتقان الذى يمزق المصريين، وأنه مؤهلٌ لذلك بما كان له من شعبية وقوة .. ما حدث للأسف أن الاحتقان تَضَاعَف ..وصار جزءاً من المشكلة لا الحل .. وأصبح إشعال نيران الكراهية هو الواجب اليومى لإعلامه وأجهزته .. وكأنما صار استمرار الفتنة أحد دعائم الحكم.
 

أشَرنا من قبل إلى الألغام التى زرعها النظام الحالى فى طريق مَنْ يليه .. الديون .. الأرض المسلوبة .. الاتفاقيات السرية ..إلخ .. قَدَرُ مصر أن تعمل على نزع فتيلها بالتوازى .. لكن ليس قبل إزالة هذا اللغم .. إذ أنه لا أملَ فى أى نهوضٍ قبل أنتَخمد النيران المتأججة فى القلوب والعقول .. لا أتحدث عمَّا يُسَّمَى بالمصالحة السياسية، فهى فى الحقيقة صفقاتٌ عانت منها مصر على مدى عدة عقودٍ .. وإنما عن مصالحةٍ مجتمعيةٍ لا تتم إلا فى دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطية .. ليس لدى كاتب المقال(ولا غيره) حلٌ وحيدٌ سحرىٌ .. وقد آنَ لنا أن نتعلم أنه لا يوجد فردٌ يمتلك الحقيقةَ والحل مهما بلغت عبقريته وحتى لو كان طبيبَ الفلاسفة (فعلاً لا تخريفاً) .. وإنما هى أفكارٌ تتشارك مع أفكارٍ لنخرج منها بعدالةٍ انتقاليةٍ بلمسةٍ مصريةٍ، أرى أن تبدأ بترشيد خطاب التهييج، وتُفتح فيها ملفاتُ كل الأحداث الدموية التى خَضَّبَت وجه مصر على مدى السنوات السبع الأخيرة..عدالة انتقالية تمزج بين التحقيق النزيه والمصارحة والشفافية والاعتذار الشجاع والمحاسبة والتسامح معاً.
 

تَعَّلَمنا فى الإدارة أنه لا توجد مشكلةٌ بلا حل .. وإذا كانت بالغة التعقيد فلا بد من البحث عن نقطة بداية .. نقطة البدء فى اعتقادى هم أولياء الدم .. الكل أخطأ، وإن اختلفت الأوزان .. والكُلُّ أُصيب، وإن اختلف الألم .. لكن يظل أكثرنا أَلَماً هم أولياء الدم .. الأم الثكلى، والأب المكلوم، والابن المُيَّتَم، والزوجة المُترملة .. كلٌ من هؤلاء فقد حبيبه فى حدثٍ يختلف وفق زاوية الرؤية .. لكن الحزنَ واحدٌ .. هل يختلف حزن أم كريم بنونة (يناير) عن حزن أم العقيد أحمد المنسى (رفح) عن حزن أم أسماء البلتاجى (رابعة) عن حزن أم مينا دانيال (ماسبيرو) عن حزن أم الحسينى أبو ضيف (الاتحادية) عن حزن أم عمار محمد بديع (ميدان رمسيس) عن حزن أم شيماء الصباغ (ميدان طلعت حرب) عن حزن أم طفلٍ قُتِل فى استاد بورسعيد؟ ..الاتهاماتُ مختلفة .. لكن الحزن واحد .. فليكن هؤلاء هم نقطة البدء .. بعيداً عن دهاليز السياسة وصفقاتها.

 

فى الصعيد .. تهرس طاحونةُ الثأر عشراتِ الجماجم .. إلى أن يعفو وَلِىُّ دمٍ احتساباً لوجه الله .. فتتوقف المجزرة .. إذ لا يُزايدُ على صاحب الدم أحد .. هل تذكرون العظيم فهمى عمر كبير الهوارة الذى تَقَّبَل العزاء فى فلذة كبده ليُخمد فتنةً كبرى فى قناقبل أن تنشب؟ .. يومَها لم يستطع أحدٌ أن يزايد على حزن أبٍ مفجوع.

 

مِن المفارقات أن الأكثر حُزناً وأَلَماً هم الأقدر على التسامح .. وعلى هؤلاء نُراهِن .. فلنُفَكِر معاً.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية