رئيس التحرير: عادل صبري 09:05 صباحاً | السبت 07 ديسمبر 2019 م | 09 ربيع الثاني 1441 هـ | الـقـاهـره °

على وقع الموت والدمار.. تعرف على «السياحة السوداء» المتنامية في سوريا

على وقع الموت والدمار.. تعرف على «السياحة السوداء» المتنامية في سوريا

العرب والعالم

سياحة سوداء على دمار سوريا

على وقع الموت والدمار.. تعرف على «السياحة السوداء» المتنامية في سوريا

إنجي الخولي 26 نوفمبر 2019 02:29

 بينما يشرد أهلها في أنحاء العالم مع استمرار قصف قوات النظام السوري لمدنها، والذي تسبب في مقتل آلاف من المدنيين، فتحت المدن التي يسيطر عليها نظام بشار الأسد أبوابها لـ«السياحة السوداء».

 

 وفي حين فرَّ من البلاد أكثر من نصف سُكَّان سوريا، البالغ عددهم الإجمالي 22 مليوناً قبل الحرب ، وقتل على الأقل 500 ألف شخص في الحرب الدائرة منذ 8 سنوات ، يتوافد السياح الأجانب للتفتيش عن المآسي والدمار.

 

مدن مدمرة وحياة ليلية

بحسب صحيفة "الجارديان" البريطانية، بدأت مجموعةٌ من شركات السياحة ومُدوِّني السفر، الذين يقدِّمون خدماتهم لزبائنهم من مُتحدِّثي اللغة الإنجليزية، إطلاق رحلاتٍ مُعَدَّة بناءً على الطلب لزيارة البلاد، و «الاختلاط بالسُكَّان المحليين، والمرور أيضاً على القرى المُدمَّرة، وزيارة المواقع الأثرية التي يسودها الدمار»، و «تجربة الحياة الليلية الكوزموبوليتانية الشهيرة التي عادت إلى وسط دمشق».

 

وبينما يستعيد الأسد سيطرته ببطء، فإن التصوُّر السائد في بعض المناطق أن البلاد تنفتح مُجدَّداً على مشاريع الأعمال -وضمن ذلك قطاع السياحة، الذي كان مُربِحاً في الماضي.

ولا توصي أيٌّ من حكومات العالم بالسفر إلى سوريا، لأسبابٍ تتعلَّق بالسلامة، في حين يلحّ السوريون الذين تكبَّدوا ثمناً باهظاً في الحرب، على الغربيين، بألَّا يُطبِّعوا العلاقات مع النظام.

وعلى الرغم من تفجيرات السيارات بين الحين والآخر، والضربات الجوية الإسرائيلية، والشرطة السرية التي «تُخفِي» جواسيس مُشتَبَهين وأعضاءً بالمعارضة في سجون الأسد، فإن دمشق الآن آمنة نسبياً، ويتزايد الاهتمام بسياحة المغامرة في بلدٍ كان خارج إطار هذا النوع من السياحة ما يقرب من عقدٍ من الزمان.

 

ما هي السياحة السواء؟

ترتبط المواقع السياحية في الذهن بالشواطئ المشمسة أو المواقع الأثرية، بيد أن ثمة نمط آخر من السياحة بات يزدهر بإطراد، وهي ما يطلق عليها "السياحة السوداء" أو الحزينة. وهي تلك التي تشمل زيارة مواقع شهدت كوارث طبيعية أو إبادة جماعية أو كانت أماكن للتعذيب وما شابه.

 

فاستذكار ذاك العار أو الألم الذي تسببت به بات يحظى بشعبية متزايدة في أوساط السياح والباحثين عن أماكن لزيارتها.

ومصطلحٌ " السياحة السوداء" ابتكره الباحثان في مجال السياحة «جون لينون» و«مالكولم فولي» في عام 1996، يُرمز به إلى المواقع المرتبطة بالموت والعنف، بما في ذلك القتل والإبادة الجماعية ومواقع الكوارث الطبيعية والحروب.

 

ويُطلَق على زيارة الأماكن المرتبطة بالموت والمآسي اسم "السياحة السوداء"غير أن قضاء الإجازات في بلدٍ لا يزال من الناحية الفنية في حالة حرب، يُعَدُّ ظاهرةً جديدةً يُغذيها الأشخاص المؤثِّرون على الشبكات الاجتماعية، سعياً للوصول إلى البلدان المحظور السفر إليها وزيارة بلدان العالم الـ195 كافة.

فالـ"سياحة السوداء"، أو سياحة الظلام، أو سياحة الرعب، هي أسماء مختلفة لنوع من السياحة التي قد يراها البعض بعيدة تماما عن المعنى الكلاسيكي للسياحة، إلا أن آلاف السياح يقومون بها حوال العالم.

 

وبلغ عدد مواقع السياحة المظلمة نحو 700 موقع في 90 دولة حول العالم، وبالرغم من عدم وجود بيانات دقيقة حول أعداد الأشخاص الذين يميلون للسفر إلى تلك المواقع. فإن هناك دلائل تشير إلى أنها أصبحت أكثر شعبية على مدى العشرين عامًا الماضية.

 

ولم تبدأ جولات السياحة السوداء بظهور المصطلح لأول مرة في عام 1996، بل سبقته بأكثر من قرن من الزمان. وهو ما أشار إليه دكتور «ستون إن»، الذي أكد أن مفهوم السياحة السوداء لم يكن جديدًا، وأن الناس ظلت عبر التاريخ تسافر إلى مواقع الموت والكوارث.

 

ففي منتصف القرن التاسع عشر، نظم «توماس كوك» رحلات للمسافرين البريطانيين إلى ساحات المعارك في الحرب الأهلية الأمريكية. وبعد بضع سنوات، إبان حرب القرم التي وقعت بين الإمبراطورية الروسية والدولة العثمانية عام 1853، زار السياح بقيادة «مارك توين» مدينة «سيباستوبول» المحطمة وتجولوا في كل أنحاء المدينة حتى إنهم اقتنوا بعض الشظايا التذكارية التي وجدوها أثناء سيرهم في شوارعها.

وقائمة المناطق المصنفة كسياحة سوداء تشمل" مفاعل تشيرنوبيل في  أوكرانيا-  مدينة بومبي في إيطاليا – معسكرات أوشفيتزفي بولندا - نصب هجمات سبتمبر في نيويورك - جزيرة روبين في جنوب افريقيا- سجن شروسبوري البريطاني- حطام تايتانيك في المحيط الأطلنطي - برج الباباس في تركيا -  وحقول القتل في تشونغ إك كمبوديا ).

 

سوريا ضمن قائمة" السياحة السوداء"

وانضمت سوريا التي دمرت أغلب مدنها، جراء الحرب المستمرة منذ 8 سنوات،  إلى قائمة السياحة السوداء .

 

وعادةً ما تذهب الرحلات التي تستمر أسبوعاً واحداً إلى المنطقة القديمة بالعاصمة دمشق، وقلعة الحصن، وهي قلعةٌ صليبية تعود إلى القرن الحادي عشر وتقع بالقرب من حمص، علاوة على مدينة تدمر الأثرية في الصحراء الشرقية، والتي ضربتها هجمات الخلايا النائمة لتنظيم «الدولة الإسلامية» منذ طرد المقاتلين من المنطقة في 2017.

 

وكان معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث (UNITAR)، قد أجرى دراسة مسحية للدمار الحاصل في 16 مدينة وبلدة في سوريا،ووجد أن أكثر المدن التي دمرتها الحرب في سوريا, هي حلب أكبر المدن المتضررة من جراء القصف، حيث وصل عدد المباني المدمرة فيها إلى نحو 36 ألف مبنى، تلتها الغوطة الشرقية بـ 35 ألف مبنى مدمر.

 

وجاءت في المرتبة الثالثة مدينة حمص التي تدمر فيها 13778 بناء، ثم الرقة 12781 بناء مدمراً، ومن ثم حماة 6405 بناء، ودير الزور 6405 أبنية، بالإضافة لمخيم اليرموك 5489 بناء.

وهناك عرضٌ واحد على الأقل من شركة Young Pioneer Tours، ومقرها الصين، للذهاب شمالاً إلى حلب، التي انتُزِعَت من المعارضة السورية في 2016 بعد معركةٍ دامت أربعة أعوام. ولا يزال أكثر من نصف المدينة مُدمَّراً.

 

وتتكلَّف رحلة Young Pioneer Tours مبلغاً قيمته 1695 دولاراً (1320 جنيهاً إسترلينياً)، بما لا يشمل الطيران ورسوم التأشيرة وتأمين السفر. وتسافر مجموعات السيَّاح بصحبة مرافقين حكوميين. وتواصلت صحيفة  الجارديان البريطانية مع الشركة طلباً للتعليق.

 

والتقى جوني وارد، مُدوِّن السياحة الأيرلندي، مجموعة صغيرة من السيَّاح في بيروت، واصطحبهم عبر الحدود البرية اللبنانية في رحلةٍ مدتها خمسة أيام، الأسبوع الماضي، تضمَّنَت زيارة دمشق وقلعة الحصن.

 

وقال وارد: «إذا كنَّا سنذهب فقط إلى البلدان التي تتمتَّع بسياسةٍ محلية وخارجية جيدة، فأين سنذهب إذن؟ هل ينتقد الناس الرحلات إلى فيغاس أو بكين أو السكك الحديدية العابرة لسيبيريا؟ كم عدد الأرواح التي تأثَّرَت بالسياسات المحلية والخارجية لتلك البلدان؟ إنني أومن حقّاً بأن السياحة على المستوى القاعدي توفِّر الدولارات لأولئك الذين يحتاجونها».

 

وأضاف: «وفقاً لطريقتنا البسيطة، تُعَدُّ السياحة خطوةً صغيرةً للعودة إلى الحياة الطبيعية في دمشق وغيرها من المدن… أن نزور بلداً لا يؤيِّد قادته».

 

وفي هذا الشهر، عرضت شركتا سياحة روسيَّتان رحلاتٍ مُشابِهة.

 

وبدأت شركتا السياحة الروسيتين “كيلمنجارو و ميركل” بإعلان برنامج الرحلة، الذي يشمل زيارة سبع مدن سورية تنطلق من العاصمة اللبنانية بيروت، إلى العاصمة دمشق ومدينة حلب و “عروس الصحراء” مدينة تدمر، خلال برنامج سياحي لمدة ثمانية أيام.

 

ويشار إلى أن تكلفة الجولة تبلغ 1950 دولارا أمريكيا، ولا تشمل تذاكر الطائرة أو رسوم التأشيرة أو التأمين، وكانت قد أصدرت الوكالة الفيدرالية الروسية للسياحة بياناً أوصت فيه الشركات السياحية بالتوقف عن تنظيم رحلات إلى سوريا، مع نصح السياح الروس بتجنب الرحلات إلى سوريا حتى “عودة الأمور إلى الوضع الطبيعي”.

 

هذا ورغم التحذيرات قامت شركة كيلمنجار بأولى رحلاتها إلى سوريا في تشرين الأول الماضي، و أعلنت عن خطط لرحلة أخرى في 3 أبريل 2020 على موقعها على الإنترنت، قبل أن تتخذ قرارا بإلغاء سوريا من قائمة وجهاتها.

 

أما شركة ميركل للسياحة فما زالت عازمة على القيام برحلتها إلى سوريا في 14 مارس 2020، حسب موقع الشركة.

 

 والجدير ذكره أن دليل “لونلي بلانت” السياحي وصف سوريا بأنها أحد أكثر الأماكن خطورة على الكوكب. وينصح الناس بالعبارة التالية “لا يمكنك الذهاب، وإذا استطعت، فلا ينبغي عليك ذلك”، فقد زار سوريا في عام 2019 نحو 334 سائحا روسيا، وهذا الرقم يشكل ثلاثة أضعاف عدد السياح الروس عام 2018، وفقاً لخدمات الحدود الروسية.

 

تطبيع مع النظام

غير أن محاولات فتح سوريا مُجدَّداً للسياحة قد قوبِلَت بانتقادٍ شرسٍ من بعض السوريين.

كان بكري العبيد يدير شركة سياحة صغيرة في دمشق قبل اندلاع الانتفاضة السورية في 2011. غادَرَ موطنه في حلب حين سقطت المدينة بيد النظام منذ ثلاثة أعوام، ويعيش الآن في إدلب، التي تُقصَف يومياً بغاراتٍ سورية وروسية.

 

قال العبيد: «ما تفعله شركات السياحة الآن له هدفٌ واحد فقط: التطبيع مع النظام. إنهم يفعلون هذا ليُظهِروا للعالم أن سوريا آمنة وبخير، وأن الحرب انتهت».

 

وأضاف لصحيفة "الجارديان" : «هذه الرحلات تُبيِّض وجه النظام وتجعل العالم ينسى الفظائع التي ارتكبها ضد السوريين. إنه لمن المُحبِط والمؤلِم حقّاً أن نرى السيَّاح يأتون من الخارج إلى بلدنا، في حين أن منزلك يصادره النظام ولا يمكنك العودة إليه».

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان