رئيس التحرير: عادل صبري 08:11 صباحاً | الأحد 16 ديسمبر 2018 م | 07 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

تشكيل الحكومة العراقية.. مخاض داخلي وصراع دولي

تشكيل الحكومة العراقية.. مخاض داخلي وصراع دولي

العرب والعالم

علم العراق

تشكيل الحكومة العراقية.. مخاض داخلي وصراع دولي

أحمد علاء 08 أكتوبر 2018 19:43
لن يضيع ملايين العرب والمسلمين الكثير من الوقت في البحث عن رائحتي إيران والولايات المتحدة تفوحان في أي أزمة تعصف بالمنطقة، سواء كانت محلية الأثر أو إقليمية الامتداد.
 
ينطبق ذلك على ما يجري في العراق، فقد اعتبرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية أنّ تشكيلة الرئاسات الثلاث في العراق (الجمهورية والحكومة والبرلمان) لا ترجّح كفة إيران على أمريكا أو العكس.
 
وكانت الكتل السياسية العراقية قد اختارت مساء الثلاثاء الماضي، برهم صالح رئيسًّا للجمهورية، الذي سارع إلى تكليف عادل عبد المهدي، السياسي الشيعي، لتشكيل الحكومة.
 
الصحيفة الأمريكية ذكرت أنّ "اختيار صالح وعبد المهدي أكّد أنّ الطائفية في المجتمعات العربية والكردية التي سادت عقب الغزو الأمريكي عام 2003، بدأت تنهار، ما أفسح المجال لتشكيل تحالفات أكثر براغماتية تتخطّى الخطوط الطائفية".
 
وتنقل الصحيفة عن مسؤولين عراقيين وأمريكيين قولهم إنّ "عادل عبد المهدي، وهو شيعي ليس له انتماء حزبي حالي، مثّل حلًا وسطًا من قبل جميع الأطراف، وبخاصةً أنّ نتائج الانتخابات التي جرت في الـ12 من مايو الماضي، لم تفرز كتلة فائزة".
 
اختيار عبد المهدي وصالح، لم يُفرز أيضًا فائزًا في سباق تشكيل الحكومة العراقية بين أمريكا وإيران، بحسب الصحيفة، حيث سعت طهران وواشنطن لدفع حلفائها للحصول على مناصب في الحكومة الجديدة، في وقت تحاول أمريكا أن تعزل إيران اقتصاديًّا وسياسيًّا وهي بحاجة إلى حكومة عراقية موالية لها.
 
ويعتبر عبد المهدي، المدعوم من مقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي المتشدّد، أحد المنتقدين للسياسات الأمريكية والإيرانية في العراق، وحظي بدعم كتلة "سائرون" التي فازت في انتخابات مايو الماضي، وحلّت أولاً.
 
كما وافق المرجع الشيعي علي السيستاني، على ترشيح عبد المهدي، وفقًا لمصدر عراقي شارك في عملية التفاوض، على أن يتم منح الكتل المقرّبة من إيران مناصب سيادية، مثل النفط والداخلية والدفاع، وبخاصةً أنّ تلك الكتل كانت ترغب بتسمية هادي العامري أو نوري المالكي لهذا المنصب، ولم يكن ترشيح عبد المهدي خيارهم المناسب.
 
وتنقل "واشنطن بوست" عن مسؤول أمريكي كبير تحدّث شريطة عدم ذكر اسمه: "واشنطن شجَّعت الخطوات التاريخية التي اتُّخذت ليلة الثلاثاء.. الرئيس صالح ورئيس الوزراء عبد المهدي، من الشخصيات ذات الخبرة ويحظون بالاحترام داخل العراق وفي جميع أنحاء العالم".
 
وقد صرح النائب يوسف الكلابي، المقرّب من رئيس الوزراء المنتهية ولايته، حيدر العبادي، للصحيفة الأمريكية بأنّ "عبد المهدي هو مرشّح الحل الوسط، وسوف يدير السياسة الخارجية العراقية بطريقة متوازنة، ويضع مصالح العراق في المقدمة، إنه يشارك العبادي والصدر ذات التطلّعات والتوجّهات".
 
وإجمالًا، فإنّ هناك تحديات هائلة أمام الحكومة العراقية الجديدة؛ وبخاصةً أنّها تأتي في أعقاب الحرب على تنظيم "الدولة"، التي تسبَّبت بخسائر بلغت مليارات الدولارات، وتركت ملايين النازحين في العراء، كما ألحقت أضرارًا كبيرة بالاقتصاد العراقي القائم على النفط.
 
ويتعيّن على الحكومة أيضًا أن تتصدّى على الفور للمطالب الشعبية التي حرّكت الشارع العراقي في قلب الجنوب الشيعي بسبب ضعف الخدمات وفساد الحكومة والإحباطات المتتالية من العملية السياسية والنظام القائم.
 
وترى الصحيفة أنّ الاحتجاجات التي جرت في البصرة، أقصى جنوبي العراق، خلال الشهرين الماضيين، قادت إلى تغييرات كبيرة في طبيعة التحالفات السياسية، وأدّت لما يشبه "الانهيار" للتحالفات القديمة التي كانت قد بُنيت على أُسس طائفية وعرقية، ويمكن القول إنها كانت السبب في أن يعبر الساسة العراقيون الخطوط الطائفية.
 
لكن مقابل ذلك، فإنّ المشهد السياسي المتغيّر في العراق كشف عن انقسامات حادّة داخل منطقة الحكم الذاتي الكردية.
 
ويُنظر إلى الرئيس الكردي برهم صالح، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء في العراق ورئيس حكومة إقليم كردستان، على أنه شخصية مستقلّة ومُعتدلة، ومن المؤيّدين لعلاقات قوية بين العراق وكلٍّ من أمريكا وإيران، مع تعزيز المصالح الكردية من خلال التعاون مع حكومة بغداد بدلًا من المواجهة.
 
وتختم الصحيفة أنّ صالح قد ينجح في تحسين العلاقة بين أكراد العراق والحكومة المركزية في بغداد، بعد أن سعى الأكراد العام الماضي للانفصال عن المركز عبر إجراء استفتاء شعبي لم تعترف به الحكومة والدول المحيطة، وأدّى إلى تشنّج كبير للعلاقة بين بغداد وأربيل.
 
وعلى الأرض، فإنّ عبدالمهدي المكلف بتشكيل الحكومة يواصل مشاوراته مع الكتل السياسية لاختيار أعضاء فريقه الوزاري لعرضه على البرلمان.
 
ويواجه السياسي المستقل العديد من الصعوبات مع زيادة التدخلات وارتفاع سقف الطموحات والآمال التي تتطلع إلى حكومة وفق التخصص والكفاءة بعيدا عن فرض المرشحين من قبل الأحزاب السياسية.
 
وكانت الكتل السياسية الرئيسة، وبخاصةً "سائرون" التي يدعمها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، و"الفتح" برئاسة هادي العامري، قد اتفقت على ترشيح عادل عبد المهدي لرئاسة الحكومة المقبلة.
 
ونقلت وكالة الأنباء العراقية "واع" عن عضو مجلس النواب عن تحالف "الفتح" مهدي تقي قوله إنّ تحالفه سيرشح شخصيات مستقلة لشغل المناصب الوزارية وليس من النواب. 
 
وأضاف أنّ "الفتح" لم يحدد بعد الأسماء المرشحة للوزارات التي سيرسلها إلى رئيس الوزراء المكلف، مبينًا أنّ المرشحين اللذين سيتم تسميتهم من قبل الكتلة يتمتعون بمواصفات الاختصاص والخبرة. 
 
أمّا تحالف "سائرون" فقد أعلن رئيسه مقتدى الصدر عدم ترشح أعضاء تحالفه في الحكومة الجديدة، مشيرًا إلى أنّه منح رئيس الوزراء المكلف مهلة لمدة عام "لإثبات نجاحاته". 
 
وطالب الصدر في تغريدة له على "تويتر"، رئيس الحكومة العراقية المكلف بتشكيل فريقه الوزاري بدون ضغوطات حزبية أو محاصصة طائفية أو عرقية، مع ضرورة إبعاد الوزارات الأمنية عن تأثيرات الأحزاب، داعيا إلى أن يتولاها شخصيات من التكنوقراط المستقل، وأن تكون تحت إشراف رئيس الوزراء.   
 
ويرى مراقبون أنّه رغم التوجه العام الذي يرغب في تشكيل حكومة عراقية محايدة ومستقلة من أصحاب الاختصاص وبعيدًا عن المحاصصة؛ فإنّ تدخلات الأحزاب والكتل السياسية لا تزال تحاصر رئيس الوزراء المكلف وتفرض عليه أسماء موالية لها لن تفيد في مواجهة غضب الشارع الذي لن يسمح باستمرار الفشل الحكومي في تقديم الخدمات وتوفير فرص عمل خلال السنوات الأربع المقبلة.
 
وقد حذّر المجلس العشائري في البصرة الكتل السياسية والأحزاب من مغبة تشكيل حكومة محاصصة كسابقاتها، مؤكدًا أنّ الشعب لن ينتظر أربع سنوات أخرى من الفشل والفساد والهدر وسيقول كلمته بقوة. 
 
من جانبها، اعتبرت جبهة الحوار الوطني أنّ العراق أمام فرصة تاريخية لتدعيم مبادئ الإصلاح وإبعاد الفاسدين عن إدارة الدولة.
 
ودعت الجبهة، في بيان لها، إلى منح رئيس الوزراء حرية اختيار المهنيين المستقلين للوزارات الأمنية والسيادية، فيما أبدت رفضها مبدأ المقايضة.
 
وقالت الجبهة إنه "في ظل الحراك السياسي حول تشكيل الحكومة عادت الجهات التي تتعامل وفق مبدأ المقايضة للنشاط من جديد، فيما ظهرت بقوة أصوات وطنية خالصة لمجابهتها والحد من طمعها".
 
وأضافت: "نرفض الضغوطات الهادفة لاستحواذ الأحزاب والفصائل على الوزارات الأمنية والسيادية، والعراق أكبر من الجميع وإن أسلوب توزيع المناصب وفق مبدأ (هاتْ وخذْ) مرفوض جملة وتفصيلا، ويتقاطع مع منهج الإصلاح الذي ينتظره الشعب العراقي بفارغ الصبر".
 
وفيما بدا مؤشرًا على صعبوة الوضع، بحث "عبدالمهدي" الأوضاع السياسية وتشكيل الحكومة المقبلة، مع رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، والقيادي في تحالف القرار أسامة النجيفي، ورئيس حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي وعدد من القيادات السياسية.
 
وقال المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء - وفقًا لبيان أوردته قناة "السومرية نيوز" أمس الأحد - إنّ عبدالمهدي أكد خلال الاجتماع على محتوى البرنامج الحكومي وأولويات الحكومة في الإعمار ودعم الاستقرار الأمني وتوفير الخدمات وفرص العمل وتعزيز العلاقات الخارجية.
 
تعليقًا على كل ذلك، يقول السياسي العراقي الدكتور عبد الحق برهوم، إنّ الدولة العراقية تحتاج في الوقت الحالي إلى حكومة تكنوقراط، لا انتماءات سياسية لها إلا في حدود معينة، موضحًا أن أصحاب العلم هم المطلوبون الآن.
 
وأيّد "برهوم"، في حديثه، دعوة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، إلى تشكيل حكومة تكنوقراط، وعدم منح حقيبتي الدفاع والداخلية إلى وزراء ذوي انتماءات حزبية، مؤكدًا أنّ بقاء هاتين الحقيبتين في أيدي مسؤولين من الجيش والأمن، يضمن الحفاظ على الدولة.
 
وأضاف: "الدكتور عادل عبد المهدي قادر على تشكيل حكومة تحظى بتأييد الشعب العراقي كله، وعليه في هذا الأمر أن يحتفظ لنفسه بحق ممارسة صلاحياته كاملة، وأول هذه الصلاحيات أن تكون جميع المناصب الوزارية في يده حصرًا، إلا ما يتيح للأحزاب والكيانات السياسية الترشيح لها، ويكون هو صاحب القرار".
 
في هذه الحالة، يوضح السياسي العراقي في حديثه لوكالة سبوتينك، أنّه سيكون من حق عبد المهدي أن يطلب دعم مجلس النواب لتأييده، طالما أن ترشيحه ما زال طازجًا، أي أنه في هذه الحالة (اللجوء إلى تشكيل حكومة التكنوقراط) لن يكون متهمًا بالانحياز إلى أي جانب أو تحالف أو حزب على حساب جانب آخر، بل سيحظى تشكيله، الذي ستلقى عليه مهام كبرى، بتأييد الجميع، طالما أن الاختيارات لن تكون سياسية، وستكون قائمة على الكفاءات فحسب.
 
وأوضح أنّ معنى تشكيل حكومة من التكنوقراط، هو تجنيب العراق ويلات الخلافات السياسية، التي لم يشهد غيرها خلال السنوات الماضية، لأن الاعتماد هنا، حال تشكيل الحكومة بحيادية وموضوعية كاملة، سيكون على الكفاءات في المجالات المختلفة فحسب، وهو أمر ينعكس بالإيجاب على الدولة كلها.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان