رئيس التحرير: عادل صبري 11:19 مساءً | الجمعة 20 سبتمبر 2019 م | 20 محرم 1441 هـ | الـقـاهـره °

ملء سد النهضة يهدد مليون مواطن مصري.. والحكومة تراهن على المفاوضات

ملء سد النهضة يهدد مليون مواطن مصري.. والحكومة تراهن على المفاوضات

الحياة السياسية

الرئيس السيسي ونظيره السوداني عمر البشير ورئيس وزراء إثيوبيا هايلى ديسالين

يهدد ببوار 200 ألف فدان في مصر

ملء سد النهضة يهدد مليون مواطن مصري.. والحكومة تراهن على المفاوضات

أحلام حسنين 10 سبتمبر 2019 12:42

عادت أزمة سد النهضة تلقي بظلها من جديد على الساحة المصرية، لاسيما بعدما صرح وزير الري بأن هناك  مشكلة كبيرة تهدد ببوار 200 ألف فدان في مصر، نتيجة خفض حصة مصر من مياه النيل بما يتجاوز 2%، وهو ما يهدد بتضرر مباشر لنحو مليون مواطن يعملون في الزراعة والأنشطة المتعلقة بها.

 

 

ومنذ سقوط الرئيس السوداني عمر البشير، في أبريل الماضي، تعثّرت مفاوضات سد النهضة التي تجري بين الدول الثلاث؛ مصر وإثيوبيا والسودان، حتى تم استئنافها في أغسطس الماضي، مع بدايات استقرار الوضع في البلاد وتحديد خارطة طريق للانتقال إلى الحكم المدني.

 

وعلى مدار السنوات الثماني الماضية لم تشهد المفاوضات بشأن سد النهضة أي تقدم ملحوظ، سوى تصريحات المسؤولين دائما عن وجود بوادر انفراجة قريبة ثم تليها جولة أخرى من المفاوضات.

 

 

عقبة سنوات الملء

 

وتراهن مصر على اجتماعها المرتقب مع إثيوبيا والسودان في 15 سبتمبر الجاري بالعاصمة أديس أبابا لحسم فترة ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي بناء على طلب تقدمت به في 21 أغسطس المنصرم.

 

وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري يناقش، أمس الإثنين، في السودان مع مسؤولي الحكومة الجديدة خطوات الدفع بالمسار التفاوضي لقضية سد النهضة.

 

وتمثل فترة ملء الخزان عقبة أمام مفاوضات الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) حول سد النهضة، إذ تريد إثيوبيا ثلاث سنوات، وتريد مصر من سبع إلى عشر سنوات.

 

وفي 28 أغسطس المنصرم أعلن وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي، سيلشي بكلي، أن مصر طلبت ملء الخزان على مدار سبع سنوات، وأن إثيوبيا ردت بخطاب، من دون أن يذكر فحواه.

 

وشدد بكلي على استمرار العمل في السد، معلنا أن التوربينات ستبدأ في توليد الطاقة بعد سنة وثلاثة أشهر، وفقا للخطة الموضوعة، بحيث يكتمل بناء السد في 2023.

 

وفي المقابل أعلنت وزارة الري المصرية، في بيان، أن مصر أبلغت إثيوبيا والسودان برؤيتها لأسلوب الملء والتشغيل أثناء فترات الفيضان والجفاف، "وطبقا لحالة الفيضان في إطار تعاوني، وبما يحقق أهداف إثيوبيا، وأهمها التوليد المبكر للطاقة، من دون ‎الإضرار الجسيم بالمصالح المائية المصرية".


تضر مليون مواطن

 

وفي الوقت الذي يبدو فيه التعنت من الجانب الإثيوبي، وجّه وزير الري المصري محمد عبد العاطي نقدا رسميا لتمسّك إثيوبيا بمواقفها المتطرفة إزاء المطالب المصرية بإطالة فترة الملء الأولى للخزان الرئيسي للسد.

 

وحذر عبد العاطي، خلال حضوره الجلسة الافتتاحية لورشة العمل الإقليمية لدعم تنفيذ المساهمات المحددة وطنياً المعنية بتغير المناخ في قطاعي الزراعة والمياه، مما وصفه بـ"حدوث مشكلة كبيرة تهدد ببوار 200 ألف فدان في مصر، نتيجة خفض حصة مصر من مياه النيل بما يتجاوز 2 في المائة".

 

واستطرد أن ذلك يهدد بتضرر مباشر لنحو مليون مواطن يعملون في الزراعة والأنشطة المتعلقة بها، وقد يساهم في زيادة الهجرة غير الشرعية.

 

وأشار  عبد العاطي إلى أن 95% من الأراضي في مصر صحراء ويتم الاعتماد على مياه النيل بنسبة 95% وهذا يجعل الموارد المائية في مصر حساسة لأية مشروعات أو أعمال غير سابقة التنسيق.

 

وتابع: "نأمل في الاتفاق بخصوص قواعد ملء وتشغيل سد النهضة والتي استغرقت وقتا طويلا"،  لافتا إلى أن الوصول إلى توافق في مصلحة الجميع بما يحقق هدف التنمية في إثيوبيا ولا يحقق أضرارا جسيمة لمصر.

 

وفي يوليو الماضي توقعت وزارة الموارد المائية والري انخفاض 9% من حصة مياه النيل، مما دعاها إلى رفع حالة الطوارئ القصوى لتوفير الاحتياجات المائية للبلاد، خاصة مياه الشرب.

 

انخفاض المياه لـ 600 م3 سنويا

 

ووفق تقديرات حكومية، وصلت نسبة الإجهاد المائي في مصر إلى 140%، مما يعني أن حصة المواطن المصري من مياه النيل انخفضت لنحو 600 متر مكعب سنويا، وهذه النسبة تعتبر أقل 40% من خط الفقر المائي الذي حددته الأمم المتحدة عند 1000 متر مكعب للفرد سنويا.

 

وهناك توقعات بحرمان مصر من 15 مليار متر مكعب سنويا من حصتها في مياه نهر النيل حال انتهاء إثيوبيا من ملء خزان سد النهضة (74 مليار متر مكعب) على مدار 5 سنوات.

 

وتبلغ حصة مصر من مياه نهر النيل 55 مليار متر مكعب سنويا، ويوفر النهر نحو 90% من احتياجات البلاد من المياه، في حين تأتي النسبة المتبقية من المياه الجوفية والأمطار وتحلية مياه البحر.

 

المقترح المصري


وكانت وزارة الموارد المائية والري، تقدمت بمقترح إلى المسؤولين في إثيوبيا، لإدارة وتشغيل سد النهضة وفقًا للمتغيرات والظروف الخاصة بالفيضان والجفاف.

 

ويحتوي المقترح 6 بنود أهمها، إخطار مصر بحجم الملء والتخزين خلال سنوات الجفاف، ومواعيد صرف التفريغ والكمية المحددة؛ حتى لا تتأثر السدود الخلفية لسد النهضة في السودان أو السد العالي.

 

وعقدت اللجنة العليا لمياه النيل، الأربعاء الماضي، اجتماعاً برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وبحضور وزراء: الخارجية، الموارد المائية والرى، وممثلي وزارات: الدفاع، والخارجية، والموارد المائية والرى، والمخابرات العامة، والرقابة الإدارية، والخبراء المختصين.

 

وصرح المستشار نادر سعد، المتحدث باسم رئاسة مجلس الوزراء، بأن اللجنة العليا استعرضت المراحل المتعددة للمفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة، وما استغرقته من مدة زمنية طويلة دون التوصل إلى اتفاق.

 

وأشار أن مصر قدمت مقترحا فنياً عادلاً يُراعي مصالح إثيوبيا واحتياجاتها للكهرباء من السد، دون الإضرار الجسيم بالمصالح المائية المصرية.

 

تسلسل الأزمة 

 

وتعود بداية أزمة سد النهضة إلى الأول من مايو من عام 2010، حين خرجت إثيوبيا معلنة عزمها بناء السد، لتبدأ التنفيذ في 28 مايو 2013، ثم أعلنت تخزين المياه في شهر يوليو 2015.

 

وجرت سلسلة طويلة من المفاوضات سعت فيها مصر، لعدم إقامة السد الذي يحرمها من 174 مليار متر مكعب من المياه، ودخلت المفاوضات مرحلة جديدة مع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي للسلطة في يونيو 2014.

 

وكانت بداية سلسلة المفاوضات في سبتمبر في عام 2011 حين اتفق عصام شرف أول رئيس وزراء بعد ثورة 25 يناير 2011، مع نظيره الإثيوبي ميلس زيناوي، على تشكيل لجنة دولية تدرس آثار بناء السد الإثيوبي، والتي تشكلت من 10 خبراء مصريين وإثيوبيين وسودانيين و4 خبراء دوليين محايدين.

 

في مايو2013 انتهت اللجنة من عملها وخلصت بعدما رأت بدء بناء السد إلى عدة توصيات مهمة بإجراء دراسات هندسية: تتعلق بارتفاع السد وسعة تخزينه وأمان السد، ودراسات مائية: تتعلق بمؤامة السد مع المياه التي يقف أمامها ونسب التسرب، و دراسات بيئية: تتعلق بعمل دراسات اقتصادية واجتماعية وتأثير ذلك على الدول المحيطة بالسد.

 

ولما تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم، طلب خلال اجتماعه مع رئيس وزراء إثيوبيا، هيلي ماريام ديسالين، على هامش قمة الاتحاد الأفريقي في 25 يونيو 2014، التي عقدت في عاصمة غينيا الاستوائية "مالابو"، استئناف المفاوضات مرة أخرى.

 

واتفق وزيرا الري المصري والإثيوبي على تنفيذ توجيهات الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي والبدء في مفاوضات بحضور السودان، وتشكيل "لجنة وطنية" لتنفيذ توصيات اللجنة الدولية المشكلة في 2012 من خلال مكتب استشاري عالمي.

 

وخلال القمة الثلاثية بين رؤساء مصر وإثيوبيا والسودان، في الخرطوم، وقّع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونظيره السوداني عمر البشير ورئيس وزراء إثيوبيا هايلى ديسالين، وثيقة "إعلان مبادئ سد النهضة".

 

ونص الإعلان على: "تقوم المكاتب الاستشارية بإعداد دراسة فنية عن سد النهضة في مدة لا تزيد عن 11 شهرًا، ويتم الاتفاق بعد انتهاء الدراسات على كيفية إنجاز سد النهضة وتشغيله دون الإضرار بدولتي المصب مصر والسودان".

 

وفي ديسمبر 2015 وقع وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا على وثيقة الخرطوم التي تضمنت الاتفاق والتأكيد على إعلان المبادئ الموقع من رؤساء الدول الثلاث.

 

 

وفي المقابل صرح وزير الإعلام والاتصالات الإثيوبي غيتاشو رضا، في حوار أجرته معه صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية في مايو 2016، أن حكومة بلاده توشك على إكمال 70 % من بناء "سد النهضة"، وأن ما تم إنجازه يتضمن الأعمال الإنشائية والهندسة المدنية، وتركيب التوربينات وعمليات هندسة المياه.

 

 

مفاوضات متعثرة 

 

وبعد سلسلة طويلة من المفاوضات المتعثرة أعربت مصر في سبتمبر 2017 عن قلقها البالغ من عدم حسم نقاط الخلاف في التقرير الاستهلالي للمكتب الاستشاري.

 

وعادت مفاوضات سد النهضة في17 أكتوبر 2017 حين زار وزير الري موقع سد النهضةالإثيوبي، لأول مرة لمتابعة الأعمال الإنشائية والتحقق من التفاصيل الفنية في إطار أعمال اللجنة الثلاثية الفنية.

 

وفي نوفمبر 2017 استضافت القاهرة على مدى يومين جولة جديدة للمفاوضات بين وزراء الموارد المائية الثلاثة، ولكن أعلنت السودان وإثيوبيا رفض التقرير الاستهلالي الخاص بدراسات "سد النهضة"، وأكدت مصر عدم التوصل لاتفاق.

 

وأكد وزير الري آنذاك الدكتور محمد عبدالعاطي أن عدم التوصل لاتفاق يثير القلق على مستقبل التعاون ومدى قدرة الدول الثلاث على التوصل للتوافق المطلوب بشأن سد النهضةوكيفية درء الأضرار التي يمكن أن تنجم عنه بما يحفظ أمن مصر المائي.

 

واقترح وزير الخارجية المصري سامح شكري، خلال لقائه نظيره الإثيوبي في ديسمبر 2017، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بأن يشارك البنك الدولي كوسيط محايد في أعمال اللجنة الثلاثية، التي تبحث في تأثير إنشاء سد النهضة الإثيوبي على دولتي المصبّ، مصر والسودان.

 

ولكن رفضت إثيوبيا في يناير 2018 المقترح المصري بإشراك البنك الدولي في مفاوضات سد النهضة.

وفي 13  مارس 2018 أعلن السفير السوداني لدى القاهرة، عبد المحمود عبد الحليم، عن توجيه الخرطوم دعوة رسمية للجانب المصري، لعقد اجتماع ثلاثي لوزراء الخارجية والري ومديري أجهزة المخابرات في السودان وإثيوبيا ومصر، بشأن سد النهضة، في يومي 4 و5 أبريل الجاري بالخرطوم والتي انتهت بالفشل.

 

وكان موعد آخر أخفقت فيه جولة جديدة من المفاوضات في منتصف أبريل الماضي، بعد 17 ساعة من مفاوضات كانت تستضيفها العاصمة السودانية الخرطوم، لإجراء محادثات بشأن مخاوف مصر من سد النهضة، ومحاولة الوصول إلى اتفاق مشترك.

 

وأعلن وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور، رفع اجتماع اللجنة الثلاثية الخاصة بسد النهضة دون الوصول إلى توافق أو الخروج بقرار مشترك، لكنه وصف المحادثات بأنها كانت "بناءة ومهمة"، حسبما أفادت وكالة الأنباء الرسمية في السودان.

 

وأشار وزير الخارجية السوداني إلى أن الأطراف مازالت على خلاف بشأن قضايا فنية، دون أن يقدم المزيد من التفاصيل.

 

كما أعلن سامح شكري وزير الخارجية، عدم الوصول إلى اتفاق في جولة المفاوضات، وقال في تصريحات صحفية، إن المشاورات كانت شفافة وصريحة، وتناولت كافة الموضوعات ولكن لم تسفر عن مسار محدد ولم تؤت بنتائج محددة يمكن الإعلان عنها.

 

وكانت المفاوضات تتركز حول اعتماد التقرير الاستهلالي الخاص بالدراسات التي يجريها المكتبين الاستشاريين الفرنسيين، والذي سبق ورفضت السودان وإثيوبيا الموافقة على التقرير الاستهلالي الخاص بدراسات "سد النهضة"، فيما وافقت مصر على التقرير في جولة المفاوضات السابقة نوفمبر 2017.

 

 

عودة المياه لمجاريها

 

وبعد بضعة سنوات من المفاوضات بين وزراء الخارجية ورؤساء أجهزة المخابرات في مصر والسودان وإثيوبيا بشأن سد النهضة الإثيوبي، فتحت زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، في يونيو الماضي،  بابا جديد بعث الطمأنينة لدى المصريين رغم تخوفات البعض من ألا تصدق إثيوبيا في قسمها بعدم الإضرار بمياه النيل في مصر.

 

ففي الزياردة طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي من رئيس الوزراء الإثيوبي أن يردد وراءه القسم قائلًا: «واللهِ واللهِ لن نقوم بأي ضرر للمياه في مصر»، وأكد أبي أحمد، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، أنه يجب أن ينسى الشعبان المصري والإثيوبي ما جرى في الماضي، ليبدأ مرحلة جديدة من المحبة والمودة والتعاون.

 

وجاءت هذه الزيارة بعد تعثر طويل في مصير المفاوضات بين إثيوبيا ومصر والسودان حول السد الذي تبنيه إثيوبيا، ويمثل مخاوف على حصة مصر من مياه النيل، وهي حقوق تاريخية بموجب اتفاقيتي1929 و 1959 التي تعطيها 87% من مياه النيل، وحق الموافقة على مشاريع الري في دول المنبع.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان