رئيس التحرير: عادل صبري 03:59 صباحاً | الاثنين 16 سبتمبر 2019 م | 16 محرم 1441 هـ | الـقـاهـره °

الرقص على «جثث» الموتى في «قبة الغوري».. أين الحقيقة؟

الرقص على «جثث» الموتى في «قبة الغوري».. أين الحقيقة؟

الحياة السياسية

فرقة التنورة في قبة الغوري

الرقص على «جثث» الموتى في «قبة الغوري».. أين الحقيقة؟

أحلام حسنين 25 أغسطس 2019 18:00

طبلة ومزمار وصاجات، وفرقة تنورة تواصل الرقص قرابة الساعتين في كل أسبوع ثلاثةأيام، تتمايل الأجساد على نغمات الإنشاد الديني والابتهال، يجلس الحضور في انسجام واستمتاع تحت أضواء خافتة في أجواء روحانية بين جنابات صرح تاريخي يحمل بين جدرانه حكايات تعافى عليها الزمان، ولكن هل حقا يقبع أموت أسفل هذا المكان؟.

 

في كل يوم سبت وأثنين وأربعاء تُعرض حفلات التنورة في قبة الغوري، تلك التي توجد في منطقة الغورية بقاهرة المعز وتطل على شارع الأزهر، يعتبرها الكثير من  المصريين والأجانب نزهة لقضاء وقت في سماع الإنشاد الديني ومشاهدة عروض التنورة وبتكلفة بسيطة كانت في السابق خمس جنيهات وحاليا 12 جنيه للمصريين.

 

ولكن خلال الأيام الماضية بات يروج بعض المعنيين بالآثار إلى أن هناك أسفة تلك القبة التي تشهد حفلات عروض التنورة مقابر وجثث، ولكن ما حقيقة هذا الأمر؟.

 

تلك القبة التاريخية التي ترجع إلى السلطان قنصوة الغوري، وتُستغل حاليا كمنارة لإحياء الفن التراثي المصري عن طريق مركز الإبداع الفني بقبة الغوري التابع لصندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة من خلال فرق الإنشاد الديني بمختلف أنواعه.

 

يعرف مركز الإبداع الفني قبة الغوري على أنه مكان تتعامل معه كمنارة دولية تحتضن وتحتوى كافة الاشكال التراثية من "موسيقى-مسرح-فن تشكيلى".

 

وقد أسس فرقة سماع للانشاد الدينى، من خلال رؤية وفلسفة تؤكد على أهمية الحفاظ على هذا التراث الهام وتقديمة بالطريقة والأسلوب القديم، وتعمل الفرقة على إحياء القوالب القديمة مثل فن أداء التواشيح والمقامات النادرة والطوائف التراثية المختلفة لانشاد بردة البوصيرى ونهج البردة وبرؤية معاصرة واستلهام فنون الخط العربى.

 

حكاية قبة الغوري 

 

يقول سامح الزهار، أحد أبرز علماء الآثار الإسلامية، إن العمارة الإسلامية بها ما يسمى بـ"العمارة الوظيفية" أي عمارة تؤدي إلى وظيفة، لا لـ"الفرجة"، فأي سلطان أو أمير أو قائد عسكري مهم في تاريخ مصر بصفة عامة، وفي العصور الوسطى بصفة خاصة، وفي عهد المماليك بصفة أدق كان لديه الولع الشديد بالعمارة حتى يباهي الأمم.

 

وأضاف الزهار لـ"مصر العربية" أن مباني المماليك لم يكن الهدف منها العبادة، ولكن هدفها الدعاية السياسية في المقام الأول.

 

وأشار الباحث الأثري إلى أن القباب الإسلامية أنشأها أصحابها حتى تكون قبرا تٌدفن فيه أجسادهم بعد الموت، حتى لا يتم دفنهم في مقابر الصدقة أو تندثر ولا يعرف أحد مكانها بعد ذلك كما حدث لبعض المؤرخين، فحين يتم الدفن في مكان ضخم لا يمكن أن يهدمه أحد.

 

واستطرد أن كل السلاطين أنشأوا القباب، أما السلطان الغوري فله حالة خاصة، فهو السلطان المملوكي الوحيد الذي أتى إلى الحكم على غير رغبة منه، فهو كان يخشى الموتى، ففي عهد المماليك كان المبدأ الحكم لمن غلب فيقتلون بعضهم من أجل الحكم.

 

وواصل الزهار بأن السلطان الغوري قبل بالحكم على مضض حتى ينهي الخلاف بين المماليك، وتولى الحكم وهو زاهدا فيه، لاسيما أنه كان يتجاوز الستين من عمره، ولكنه بعد ذلك أصبح شديد وقويا وأخذ ينشأ مجموعاته المعمارية.

 

ويقول الباحث الأثري إن الغوري عٌرف عنه أنه كان يغتصب الآثار، أي يهدم مساجد ومحتويات من أماكن أثرية حتى ينبي مجموعاته المعمارية، لذلك أطلق الناس في عهده على مسجده "المسجد الحرام"، وفيه معنى مزودج أنه له قدسية كالمسجد الحرام، والمعنى الأخر الذي أقروه في أنفسهم هو أن الصلاة فيه حرام لأن محتوياته من منابر وأعمدة وغيرها مسروقة. 

 

وتابع أن الغوري أنشأ القبة حتى يٌدفن فيها ولكن ما حدث أنه قٌتل في معركة مرج دابق في حلب في مواجهة السلطان العثماني سليم الأول، ولم يُستدل على جثته حتى الآن، ويٌقال إن سليم مثل بجثته.

 

وبحسب الزهار فإن المدفون في قبة الغوري بعض من أفراد أسرة السلطان، وأعظم سلاطين المماليك وأخرهم السلطان طومان باي، الذي كان يحارب من أجل تحرير مصر من الخلافة العثمانية.

 

من هو الغوري؟


بداية السلطان الأشرف أبو النصر قانصوه من بيبردي الغوري الجركسي الأصل، أحد حكام الدولة المملوكية خلال عصر المماليك الجراكسة، وكان قبل أن يعتلي كرسي السلطنة أحد أمراء السلطان الأشرف قايتباي.

 

ترقى السلطان الأشرف في المناصب خلال عهد الناصر قايتباي والأشرف جان بلاط ثم العادل طومان باي، إلى أن بايعه أمراء المماليك مرغما عام 906هـجريا و1501ميلاديا للجلوس على كرسي السلطنة، وفقا لـما ذكره الدكتور حسني كمال في في كتابه "السلطان الغورى آخر آثار دولة المماليك".

 

وفي دولة الأشرف جان بلاط سافر إلى الشام وتآمر مع طومان باي الأول ونائب الشام ومن معهم من قادة الجند على السلطان وقتلوه، واعتلى العادل طومان باي عرش السلطنة سنة 906هـ/1501م فأسند إلى الغوري الدوادارية الكبرى، والوزارة ثم الاستادارية، كما جاء في كتاب "مجالس السلطان الغوري"لـ "عبد الوهاب عزام".

 

وبعد أن ثار أمراء المماليك على العادل طومان باي بعد أن حكم مدة ثلاثة أشهر فقط وقبضوا عليه وقتلوه، أحجم الأمراء عن تولي منصب السلطنة بسبب مصير من سبقوهم إليه، فبايع الأمراء قانصوه الغوري بحضور الخليفة المستمسك بالله وقضاة المذاهب الأربعة سنة906هـ/1501م للجلوس على كرسي السلطنة.

 

كان يظن الأمراء أن الغوري لين الطبع وسهل خلعه إذا أردوا ولهذا بايعوه رغما عنه، 

وبعد أن اشترط عليهم ألا يقتلوه، وأن يصرفوه بالمعروف إذا أرادوا عزله، إلا أن الغوري أثبت خلال فترة حكمه أنه رجل دولة قوي على عكس ما كان يتوقع الأمراء، رغم أنه كان قد جاوز الستين من عمره، بحسب الدكتور  محمد سهيل طقوش، في كتابه "تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام".

 

التفت الغوري في حكمه إلى تأمين موارد للدولة ذات الخزانة المفلسة، وأنفق منها على زيادة قواته العسكرية من المماليك وعلى أسطوله الحربي والإصلاحات العامة بالدولة وعنى بتشييد العمائر، فأنشأ مسجدا ومدرسة بالقاهرة وشيد قلعة العقبة وأقام مباني جديدة في القلعة وحصن ثغري الإسكندرية ورشيد وغيرهما.

 

كما حفر الآبار على طريق الحج وجمل مكة وأنشأ السواقي على النيل وحفر بعض الترع وجدد خان الخليلي فأنشأه من جديد وأصلح قبة الإمام الشافعي ومسجد الإمام الليث وأنشأ منارة للجامع الأزهر بخلاف إنشائه للقصور والوكالات والخانات.

 

ورغم أنه لم تحدث قلاقل تذكر في سنوات حكم الغوري الأولى، إلا أنه واجه في نهاية عهده أكبر خطر هدد دولة المماليك وكان سببا في زوال دولتهم، وهو غزو آل عثمان، إذ قتل الغوري في معركة مرج دابق شمال حلب وهو على رأس جيشه يقاوم الجيش العثماني الغازي بقيادة السلطان سليم الأول في رجب سنة 922هـ/1516م.

 

وبعد قتل الغوري بويع الأشرف طومان باي الذي دفن في "قبة الغوري" بعدما أمر السلطان سليم بشنقه على باب زويلة

 

مجموعة الغوري الأثرية

 

وعن مجموعة الغوري التي منها القبة محط حديثنا، فهي مجموعة معمارية أثرية شهيرة بالقاهرة مبنية على الطراز الإسلامي، تضم عدة منشآت بنيت على جهتين متقابلتين بينهما ممر يعلوه سقف خشبي، يقع بإحدى الجهتين مسجداً ومدرسة كانت تدرس بها العلوم الشرعية، بينما يقابلها في الجهة الأخرى القبة الضريحية وسبيل يعلوه كتاب وخانقاه للصوفيين ومنزل ومقعد، فيما اندثر حمام أثري كان يجاور تلك الأبنية.

 

أنشأ السلطان الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري هذه الأماكن في الفترة من 909هـ/1503م إلى 910هـ/1504م، وتقع بالغورية بمنطقة الدرب الأحمر التابعة لحي وسط القاهرة، وتطل على شارع المعز لدين الله، وبجوارها عدة مواقع أثرية أخرى مثل وكالة الغوري، وكالة قايتباي، مسجد محمد بك أبو الدهب، الجامع الأزهر، مسجد الفكهاني.

 

وأخذ المؤرخورن على السلطان الغوري استغلاله سلطته في فرض الضرائب الباهظة على الشعب وجباية الأموال بالقوة لإنفاقها على المماليك وعلى منشآته المعمارية، وكذلك حصوله على مواد البناء اللازمة للمسجد بأثمان بخسة، وتخريبه لكثير من العمائر القائمة للاستيلاء على ما بها من رخام وأخشاب وفسيفساء.

 

وذهب عامة الناس في ذلك الوقت إلى أن يطلقوا على المسجد الذي بناه "الغوري" اسم "المسجد الحرام"، لم شاب بناءه من اغتصاب للأرض ومواد البناء والإسراف في النفقة عليه من مال جمع عنوة.
 

الرقص على الجثث

 

وبعد معرفة قصة السلطان الغوري ومجموعته المعمارية الأثرية، نذهب للحديث عما يحدث في قبة الغوري حاليا، وحالة الجدل التي تدور بين الأثريين ووزارة الثقافة، إذ يقول أثريون إن ما يحدث فيها من حفلات غنائية وعروض تنورة أمر لا يليق بمكان مدفون فيه جثث.

 

ومؤخرا أثارت صفحة المؤرخون المصريون على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، جدلا حول قبة الغوري، بوصفها ما يحدث فيها بـ"رقص على جثث الموتى".

 

ففي أكتور عام 2006 تم ترميم قبة السلطان قنصوة الغورى، ولكن جاء افتتاحها كمركز فنى تابع لصندوق التنمية الثقافية، تقام فيها العديد من حفلات الموسيقى والغناء الصوفى يصاحبه الرقص بالتنوره وغيرها ومنها فرقة (سماع) للإنشاد الصوفى.

 

واعتبرت صفحة المؤرخون المصريون أن تلك الحفلات تمثل انتهاك لحرمة الموتى أسفلهم.

 

والواقع أن السلطان الغورى أنشأ هذه القبة خلف مدرسته لدفن ابنته، وبعدها ضرب الطاعون مصر فى عهده وكثر الموت فدفن فيها ابنته ثم ابنه وزوجته فيما بعد، كما ورد في الصفحة رقم 177 من كتاب "بدائع الزهور في وقائع الدهور" لـ"محمد بن أحمد بن إياس الحنفى".

 

وذكر ابن إياس "أنه لما قتل السلطان طومان باى آخر سلاطين المماليك بمصر والشام دفن فى هذه القبه بعد قتله على يد سليم العثمانى شنقا على باب زويلة".

 

ويقول ابن إياس فى حوادث شهر ربيع الأول سنة 923هـ "وأقام ثلاثة أيام وهو معلق على الباب حتى جافت رائحته وفى اليوم الثالث أنزلوه وأحضروا له تابوتا ووضعوه فيه وتوجهوا به إلى مدرسة السلطان الغورى عمه فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه هناك ودفنوه فى الحوش الذى خلف المدرسة ومضت أخباره كأنه لم يكن".

 

وهكذا تحولت قبة الغوري من مدفنا إلى صرحا تقام على مسرحه حفلات الموسيقى والإنشاد الديني وعروض التنورة.

 

أثري: تضرر بالمكان 

 

ومن جانبه قال الباحث الأثري سامح الزهار، إن قبة الغوري مكان له طبيعة جنائزية وضريح يحترم، ففيه دٌفن بعض أفراد أسرد السلطان الغوري وآخرون، ويذهب أغلب العلماء إلى أن أعظم سلاطين المماليك السلطان طومان باي الذي حارب من أجل مصر ضد العثمانيين دٌفن أيضا في قبة الغوري.

 

وأوضح الزهار لـ"مصر العربية"، أن الدفن في قبة الغوري له طبيعة خاصة باختلاف بقية القباب، إذ لا توجد قبة عليها كتابات على سبيل المثال فوق الجثث، ولكن يكون الدفن تحت الأرض حتى أنه لا يعلم أحد في أي متر يوجد الموتى، ولكن المعلوم أن في هذا المكان يوجد جثث بالفعل.

 

واستطرد أن قبة الغوري تعد مكان أثري مميز جدا، ولكن أصبحت وزارة الثقافة تقيم فيه بعض الاحتفالات، فالصندوق التنمية بعدما كان ينتظم حفالات في وكالة الغوري وهي مبنى منفصل ذو طابع تجاري في المقام الأول، نقلت نشاطها إلى القبة.

 

أما عن رأيه في إقامة حفلات في قبة الغوري، فيقول الزهار إنه لن يتحدث من ناحية مدى حرمة ذلك أو حلاله، ولكنه سيحدث من الناحية الأثرية، فهي عمارة لها وظيفتها، أي نذهب إليها لنشاهد تاريخنا ونتأمله وبذلك لا تخرج سياق وظيفتها، أما تحويلها إلى نشاط يُقال إنه ديني فهذا خارج تماما عن وظيفتها.

 

واستطرد:"في رأي أن ما يقام فيها ليس له علاقة من الأساس بالنشاط الديني ولا بالفن أساسا، فماذا يعني أن يمسك رجل صاجات وطبل، هذا ليس فن نباهي به الأمم، يمكن ممارسة هذا النشاط في مكان آخر بعيدا عن المكان الأثري".

 

وتابع :"المفترض أن المبنى الأثري له عدد محدود من الناس يمكن زيارته يوميا لأنه في النهاية حجر يتأثر ويتفتفت، ولابد أن نحافظ عليه لا نعرضه للحفلات والموسيقى التي تؤثر على طبيعة المكان الأثري.

 

وأردف :"الآثار ملكية عامة ليس مطلوب منها أن تأتي بفلوس، فهي كالمدارس والمستشفيات ملكية عامة للدولة، تنفق عليها من أموال الضرائب".

 

وشدد الزهار أنه ضد استغلال الأماكن الأثرية في إقامة الحفلات، لما له من ضرر على الطبيعة الإنشائية والهندسية والمعمارية والروحانية.

 

انتهاك للموتى والصرح


وفي هذا السياق كان الدكتور  محمد حمزة، عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة، قد صرح بأنه يوجد بالفعل مقابر أسفل المسرح الذي تم إنشاؤه عقب ترميم القبة وافتتاحها كمركز إبداع فنى.

 

وأشار حمزة، في تصريحات صحفية سابقة، إلى أن أصل إنشاء المبنى كان مدفن، معتبرا أن ما يحدث فيه حاليا من حفلات يمثل انتهاكا صارخا لمكان لا يصح إلا أن يُطلق عليه قبر أو ضريح وليس لإحياء التراث، بحد قوله.
 

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان