رئيس التحرير: عادل صبري 12:31 صباحاً | الأربعاء 24 أبريل 2019 م | 18 شعبان 1440 هـ | الـقـاهـره °

يوم حزين على باريس .. تاريخ 850 عامًا تلتهمه نيران «نوتردام»

يوم حزين على باريس .. تاريخ 850 عامًا تلتهمه نيران «نوتردام»

الحياة السياسية

حريق كاتدرائية نوتردام

يوم حزين على باريس .. تاريخ 850 عامًا تلتهمه نيران «نوتردام»

أحلام حسنين 15 أبريل 2019 23:40

مساء حزين خيم على العاصمة الفرنسية، تخللت عتمته النيران الهائلة وهي تلتهم أشهر المعالم التاريخية في باريس، لتتحول أنظار العالم أجمع إلى هناك، بينما تنهار "كاتدرئية نوتردام" التي تعود للعصور الوسطى، بعد أن التهمت النيران قمة البرج العملاق للكاتدرائية. 
 

 

"نوتردام دو باري تحترق..أمة بكاملها تتألم..أنا حزين هذا المساء لرؤية جزء منا يحترق"، تلك الكلمات التي شاطر بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جميع الكاثوليك والفرنسيين، اليوم، بعد اندلاع الحريق بالكاتدرئية، ربما تعد تعبيرا عن مدى أهميتها ليس فقط بالنسبة للفرنسيين ولكن لجميع "الكاثوليك" الذين يتوافدون من معظم بلاد العالم لزياراتها، فضلا عن مدى أهميتها التاريخية. 

 

850 عاما  

 

تقع كاتدرائية نوتردام التي تعني بالعربية "كاتدرائية العذراء"، في الجانب الشرقي من جزيرة مدينة باريس على نهر السين، أي أنها في قلب باريس التاريخي، وتعد من أهم المعالم البارزة والمشيدة في فرنسا، إذ تستقطب نحو 13 مليون زائر سنويا.

 

يعود تاريخ إنشاء الكاتدرئية إلى نحو 850 عاما إذ شُيدت في الفترة ما بين عام 1163 و1345، إلا أنه ربما اكتسبت انتشارا عالميا أكثر فأكثر بعد رواية "أحدب نوتردام" للكاتب فيكتور هوغو، بعد أن حولتها شركة "ديزني" إلى واحد من أهم وأشهر أفلام الرسوم المتحركة الكلاكسيكية.

 

و"أحدب نوتردام" هي رواية رومانسية فرنسية تتحدث عن خادم الكاتدرائية الأحدب المشوه، كوازيمودو، الذي وقع في حب شابة جميلة تدعى أزميرالدا، محاولا التضحية بحياته عده مرات من أجلها، قبل أن يتحول إلى رمز لمقاومة الظلم والطغيان، الذي جسده الدوق أرشيدياكون.

 

الأهمية التاريخية 

 

تقوم كاتدرائية نوتردام في مكان بناء أول كنيسة مسيحية في باريس، وهي "بازيليك القديس استيفان"، والتي كانت بدورها مبنية على أنقاض معبد جوبيتير الغالو-روماني، النسخة الأولى من نوتردام كنت كنيسة بديعة بناها الملك شيلدبرت الأول ملك الفرنجة وذلك عام 528م، وأصبحت كاتدرائية مدينة باريس في القرن العاشر بشكلها القوطي.

 

في عام 1160، بعد أن أصبحت الكنيسة في باريس "كنيسة الرعية من ملوك أوروبا"، اعتبر الأسقف السابق موريس دي سولي باريس كاتدرائية سانت إتيان (سانت ستيفن)، التي أنشئت في القرن الرابع، لا تليق بدورها النبيل، وقد هدمت بعد وقت قصير من توليه لقب "أسقف باريس".

 

وللبدء بالبناء، هدم الأسقف عدّة منازل، وبنى طريقاً جديدة لنقل المواد لبقية الكاتدرائية، وبدأ البناء في عام 1163 في عهد لويس السابع، واختلف الرأي بشأن ما إذا كان سولي أوالبابا ألكسندر الثالث أرسى حجر الأساس للكاتدرائية، ومع ذلك، كرس الأسقف دي سولي معظم حياته والثروة للبناء في الكاتدرائية.

 

استغرق بناء الجوقة من 1163 حتى عام 1177 ومذبحا عاليا جديدا في عام 1182 (كانت الممارسة العادية للطرف الشرقي لكنيسة جديدة لتكتمل أولاً، حيث أنه يمكن نصب جدار مؤقت في غرب الجوقة، مما يسمح لاستخدامه دون إنقطاع بينما بقية المبنى أخذ الشكل ببطء).

 

وبعد وفاة الأسقف موريس دي سولي في 1196، خلفه أوديس دي سولي وأشرف على الانتهاء من أجنحة الكنيسة والصحن، التي أوشكت على الانتهاء في وقت وفاته في 1208. خلال هذه المرحلة، بنيت الواجهة الغربية أيضاً.

 

تحفة معمارية 

 

عَمل العديد من المُهندسين المعماريين في الموقع خلال فترة التشييد، والذي يتضح من الأنماط المختلفة على ارتفاعات مختلفة من الجبهة الغربية والأبراج.

 

وترتفع  قبة الكنيسة إلى 33 متراً، و يمثل المبنى تحفة الفن والعمارة القوطية الذي ساد القرن الثاني عشر حتى بداية القرن السادس عشر،  ويعد من المعالم التاريخية في فرنسا ومثالا على الأسلوب القوطي الذي عرف باسم (ايل دوزانس).

 

وتعد "كاتدرائية نوتردام" في باريس من المباني الأولى في العالم التي استخدمَت الدواعم الطائرة، رغم أن المبنى لم يصمم بالأصل ليضم الدواعم الطائرة الموجودة حول الممر وصحن الكنيسة ولكن تمت إضافتها بعد أن بدأ البناء، إذ بدأت الكسور تحدث للجدران الرقيقة الموجودة في أعلاها مما دفعا للخارج، كرد عليه قام المهندسون المعماريون ببناء الدعائم في الكاتدرائية حول الجدران الخارجية، واستمر النمط كإضافات لاحقة. 

 

ووضعت العديد من التماثيل معدة بصورة فردية صغيرة نحو الخارج كدعم للعمود ويتدفق منها المياه،  ومن بين هذه التماثيل "الجرغول" الشهيرة، المصممة لمياه الأمطار، والتركيبات. كانت التماثيل بالأصل ملونة كما كان معظمها في الخارج. لكن الطلاء تقشر فيما بعد مع الوقت.

 

ويوجد في الكاتدرائية مكان ضيق للتسلق مكون من 387 درجة حيث تظهر في الجزء العلوي بشكل حلزوني، على طول التسلق يمكن رؤية التماثيل والأجراس الأكثر شهرة في أرباع مغلقة، فضلا عن الرؤية المذهلة لمدينة باريس عند الوصول إلى الأعلى.

 

وفي عام 1965 أنُشيء السّرداب الأثري في نوتردام بباريس، لحماية مجموعة من الأطلال التاريخية، وأكتُشف أثناء أعمال البناء والتي تمتد من المستوطنة الأقرب في باريس للعصر الحديث.

 

سلب وشغب

 

وتعرضت الكاتدرئية لبعض أعمال الشغب، ففي عام 1548، دمرت أضرار الشغب ميزات نوتردام، معتبرة أنها وثنية، وأثناء عهد لويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر، خضعت الكاتدرائية للتعديلات الرئيسية كجزء من محاولة مستمرة لتحديث الكاتدرائيات في جميع أنحاء أوروبا.

 

وخلال الثورة الفرنسية في عام 1793، كان تكريس الكاتدرائية لـ"عبادة العقل"، ومن ثم لعبادة الكائن الأسمى،  وخلال هذا الوقت دَمرت أو نُهبت العديد من كنوز الكاتدرائية.

 

وكان هدم بُرج القرن الثالث عشر، وتماثيل ملوك الكتاب المقدس يهودا "خطأ يعتقد أنهم ملوك فرنسا"، تقع على إفريز على واجهة الكاتدرائية، وتم قطع رؤوسهم.

 

وكثير من الرؤساء تم العثور عليهم أثناء حفر عام 1977 وعرضها في متحف كلوني دي، لبعض الوقت، بدلاً من المذابح العديدة للسيدة مريم العذراء، ونجحت أجراس الكاتدرائية العظيمة في تجنب ذوبانها. 

 

ترميم

 

وشهدت الكاتدرائية برنامجا للترميم عام 1845، واستمر لمدة 25 عاما، وشمل إعادة إعمار أطول وأكثر المزخرفة flèche (وهو نوع من الأعشاب)،  فضلاً عن إضافة التركيبات على الأشباح كاليري، وعلّم فيوليت لو دوك أعماله دائماً بوساطة مع الخفافيش، وهيكل الجناح الذي يشبه المدفن في العمارة القوطية.

 

ولكن تسببت الحرب العالمية الثانية المزيد من الضرر  في العديد من النوافذ الزجاجية الملونة في الطبقة الدنيا التي أُصيبت برصاصات طائشة، وتم تجديدها بعد الحرب.

 

وفي عام 1991، بدأ برنامجاً رئيسياً للصيانة والترميم، الذي كان معداً خلال السنوات العشر الماضية، ولكن كان لا يزال في التقدم من عام 2010، ولكن لاتزال تنظيف وترميم المنحوتات القديمة تعد مسألة حساسة جداً.

 

الأجراس

 

وللكاتدرئية 10 أجراس أكبرها إيمانويل، الأصل يعود إلى عام 1681، يقع في البرج الجنوبي ويزن ما يزيد قليلا عن 13 طنا ويتم تكليفه للاحتفال ساعات من اليوم ومناسبات وخدمات مختلفة.

 

هذا الجرس هو دائما الرونغ الأول، على الأقل يتم تشغيله 5 ثوانٍ قبل البقية، حتى وقت قريب كانت هناك أربعة أجراس إضافية في القرن التاسع عشر على عجلات في البرج الشمالي، والتي كان التأرجح فيها توافقياً.

 

وكان القصد من هذه الأجراس أن تحل محل التسعة التي تم إزالتها من الكاتدرائية خلال الثورة وكان رونغ لمختلف الخدمات والمهرجانات.

 

كانت الأجراس تتدلى مرة واحدة باليد قبل أن تسمح المحركات الكهربائية لهم بالتنقل دون العمل اليدوي،  وعندما اكتشف أن حجم الأجراس يمكن أن يتسبب في إهتزاز المبنى بأكمله، مما يهدد سلامته الهيكلية، تم إخراجه من الاستخدام.

 

وفي أوائل عام 2012، كجزء من مشروع 2 مليون يورو، اعتُبرت الأجراس القديمة الأربعة في البرج الشمالي غير مرضية وأُزيلت.

 

ملكية من؟

 

وبموجب قانون عام 1905، نوتردام دو باريس هي من بين 70 كنيسة في باريس بنيت قبل ذلك العام والتي تملكها الدولة الفرنسية، في حين أن المبنى نفسه مملوك للدولة، والكنيسة الكاثوليكية هي المستفيدة المعنية، ولها الحق الحصري في استخدامها لأغراض دينية إلى الأبد.

 

والأبرشية هي المسؤولة عن الدفع للموظفين والأمن والتدفئة والتنظيف، والتأكد من أن الكاتدرائية مفتوحة مجانا للزوار. لا تتلقى الأبرشية إعانات من الدولة الفرنسية.

 

حريق وانهيار

 

وبعد كل هذه الأعوام التي مرت على الكاتدرائية التاريخية تعرضت، اليوم 15 إبريل، إلى حريق هائل التهم اغلب البناية، مما أدى الى انهيار البرج بالكامل.

 

تنبوء بالحريق

 

وفي 12 من الشهر الجاري، رفع 16 تمثالا نحاسيا من برج كاتدرائية نوتردام في باريس لنقله بهدف ترميمه في سياق عملية دقيقة.

 

وكان تقريرا أمريكيا نشرته قناة «CBS» في العشرين من مارس الماضي 2018، من كارثة مرتقبة قد تتعرض لها كاتدرائية نوتردام، تتمثل في انهيار النصب المهيب الباقي منذ العصور الوسطى.

 

واستدللت القناة، بحسب وكالة «روسيا اليوم»،  في تقريرها بمجموعة من الصور تظهر انهيار أجزاء من المبنى التاريخي، مشيرة إلى سعي العديد من المؤسسات لجمع تبرعات بهدف ترميم الكاتدرائية.

 

وتستقبل الكاتدرائية نحو 13 مليون زائر سنوياً، وتحتوي على العديد من الآثار ذات أهمية دينية كبيرة للمسيحين الكاثوليكيين، أهمها «إكليل الشوك» الذي يزعم كثيرون أنه الذي ارتداه عيسى المسيح.

 

وكشف التقرير أن سنوات من الأمطار والثلوج، أدت إلى تأكل دعامات وجدران الكاتدرائية، الأمر الذي يضعها تحت خطر الانهيار الكامل.

 

وأظهرت صور، انهيار أجزاء من الكاتدرائية وسقوط أحجار، في نفس الوقت الذي أكدت أبراشية باريس أنها لا يمكنها تحمل دفع 185 مليون دولار، هي تكلفة ترميم الكاتدرائية.

 

وتعهدت الحكومة الفرنسية بدفع حوالي 50 مليون دولار على مدار 10 سنوات مقبلة لترميم الكاتدرائية، تاركة 135 مليون دولار دون تحديد متى ومن أين سيتم جمعها.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان