رئيس التحرير: عادل صبري 01:27 صباحاً | الجمعة 19 يوليو 2019 م | 16 ذو القعدة 1440 هـ | الـقـاهـره °

الكاتب الصحفي مصطفى أمين.. دنجوان ومتهم بـ «الجاسوسية»

الكاتب الصحفي مصطفى أمين.. دنجوان ومتهم بـ «الجاسوسية»

الحياة السياسية

مصطفى امين

في ذكرى وفاته الـ 24

الكاتب الصحفي مصطفى أمين.. دنجوان ومتهم بـ «الجاسوسية»

أحلام حسنين 13 أبريل 2019 12:20

"الموت نهاية الحب، والحب بداية الحياة! قلوبنا هي قبورنا، إذا تحركت بعثنا، وإذا توقفت دفنا فيها"، تلك مقتطفات من كتاب "سنة أولى حب" للكاتب الصحفي مصطفى أمين، ذلك الذي يعد أحد أهم أقطاب الصحافة المصرية، والذي تمر ذكرى رحيله اليوم، وإن ترك ورائه إرثرا يخُلد اسمه من بعده، رغم ما قيل عنه إنه كان جاسوسا وقضى عن ذلك سنوات من عمره في السجن، إلا أن حياته كانت مزيجا ما بين الاتهامات وما بين الخير والحب والكتابة والإبداع.

 

في الـ 21 من فبراير عام 1914 كان مولد الشقيقان مصطفى وعلي أمين، وهم ابنان للمحامي الكبير آنذاك أمين أبو يوسف، وأم هي ابنة أخت الزعيم سعد زغلول، فخرجا الطفلان من رحم بيت الأمة وما كان له تأثير عليهما منذ الصغر، حتى بدأت علاقتهما بالسياسة مبكرا.

 

نوبغة مبكرة 

 

بدأت علاقة "مصطفى أمين" بمعشوقته "الصحافة" مبكرا، في عمر الثمان سنوات، حين قدم وتوأمه علي "مجلة" الحقوق" والتي اختصت بنشر أخبار البيتت، ومنها إلى إصدار مجلة "التلميذ" عام 1928، والتي كانت بدايتهما الحقيقية في عالم السياسية، إذ كان يهاجمان فيها لاحكومة وينتقدان سياساتها، حتى تم تعطيل إصدارها، فألحقوها بإصدار مجلة "الأقلام" إلا أنها لم تلق حظا فتم إغلاقها.

 

وحين بلغ "مصطفى أمين مرحلة الثانوية العامة انضم للعمل بمجلة "روز اليوسف" كان ذلك في عام 1930،  وكان رغم سنه بارعا في الصحافة يعرف كيف يتصيد الأخبار ويحملها للمجلة، ولعل هذا ما جعله يترقى بعد عام واحد فقط ليصبح نائبا لرئيس تحرير "روزاليوسف" وهو لايزال طالبا بـ"الثانوية".

 

وبعد أن حقق"مصطفى أمين"  نجاحا في"روزاليوسف" انتقل للعمل بمجلة "أخر ساعة" التي أسسها محمد التابعي عام 1934، وكان مصطفى أمين هو من اختار لها هذا الاسم، وترك مصطفى أمين آخر ساعة إلى دار الهلال.

 

سافر مصطفى أمين إلى أمريكا لإكمال دراسته فالتحق بجامعة جورج تاون، ودرس العلوم السياسية، وحصل على درجة الماجيستير في العلوم السياسية مع مرتبة الشرف الأولى عام 1938، ثم عاد إلى مصر وعمل كمدرس لمادة الصحافة بالجامعة الأمريكية لمدة أربع سنوات.

 

وقد أصدر مصطفى أمين عدد من المجلات والصحف منها "مجلة الربيع " و"صدى الشرق" وغيرها والتي أوقفتها الحكومة نظراً للانتقادات التي توجهها هذه المجلات والصحف إليها.

وفي عام 1944 فكان مولد جريدة "أخبار اليوم" التي أسسها التوأمان "مصطفى وعلي أمين"، والتي كانت بمثابة حلم كبيرا لهم، روادهم بعد استقالة "مصطفى" من مجلة "الاثنين"، إذ أعلن حينها رغبته في امتلاك دار صحفية على غرار الصحف الأوروبية.

 

وحتى يحقق "مصطفى أمين" حلمه ذهب إلى أحمد باشا رئيس الوزراء ووزير الداخلية ليتحدث معه في الصحيفة الجديدة، وطلب منه ترخيص لإصدار صحيفة سياسية باللغة العربية باسم "أخبار اليوم"، وبدأ في اتخاذ الإجراءات القانونية لإصدار الصحيفة في 22 أكتوبر 1944.

 

وفي يوم السبت 11 نوفمبر صدر أول عدد من "أخبار اليوم"، وقد حققت الصحيفة انتشاراً هائلاً، وتم توزيع عشرات النسخ منها مع صدور العدد الأول، وقد سبق صدورها حملة دعاية ضخمة تولتها الأهرام، وقد قام الأخوان أمين بعد ذلك بشراء مجلة "أخر ساعة" عام 1946 من محمد التابعي.

 

لا ينفصل العمل الصحفي عن السياسة، وقد بدأت علاقة "مصطفى أمين" بسلطة ثورة يوليو 1952 بداية درامية، إذ اعتقلا التوأمان يوم الأربعاء 23 يوليو، ولكنهما خرجا مساء يوم26 يوليو عام 1952، إذ  لم توجه لهما السلطة الجديدة أي إتهام، وخرجا يمارسان العمل في أخبار اليوم.

 

وكان للتوأمان والصحفي الوطني مصطفى شردي رئيس تحرير الوفد، دورا إزاء العدوان الثلاثي عام 1956، إذ ظل شردي داخل بورسعيد وحمل آلة تصوير وجعل الأفلام التي تفضح بشاعة العدوان وتسلل في ليل دامس في ملابس صياد وغاص في بحيرة المنزلة.

 

ووصل "شردي" إلى دار أخبار اليوم في الفجر، وسلم أفلام الدمار إلى الأستاذين "مصطفى وعلي أمين" وبأمر من القيادة حمل مصطفى أمين هذه الصور النادرة وطار بها ووزع الصور على كبرى صحف العالم لتنشر على صدر صفحاتها الأولى بفضح العدوان الثلاثي من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل.

 

هل كان جاسوسا؟

 

منذ زمن ويدفع الصحفي أحيانا ضريبة مهنته، وهو ما تعرض له الصحفي مصطفى أمين في عام 1939 حين صدر حكم ضده بالسجن لمدة ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ بتهمة «العيب فى ذات الأمير محمد على» ولى العهد، وقد ألغى الحكم عام 1942 فى عهد وزارة مصطفى النحاس باشا.

 

ولكن ربما كانت الأزمة الكبرى التي مرا بها "مصطف أمين" ولاتزال عالقة حتى الآن رغم مرور 24 عاما على رحيله، هي اتهامه بـ"الجاسوسية"، وصدر حكم بسجنه 9 سنوات، وبينما قضى توأمه علي أمين نفس الأعوام خارج البلاد.

 

تشير الروايات إلى أنه حينما ساءت العلاقة بين التوأمان وبين عبد الناصر، اتهمتهم السلطة في النهاية بـ"التجسس" وتسليم معلومات إلى مندوبين أمريكيين، رغم أنهما تحركا فى الأساس بأمر من القيادة التى طلبت منهما توزيع الصور على كبرى صحف العالم لفضح العدوان الثلاثى من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل.

 

وفي 29 سبتمبر عام 1970 خلص المدعى الاشتراكي الدكتور مصطفى أبو زيد بعد دراسة القضية مجددا إلى :"أن الحكم ضد مصطفى أمين بنى على أدلة باطلة، وأن مصطفى أمين تعرض لإكراه بدنى ومعنوى لا طاقة للبشر باحتماله»، وصدر قرار جمهورى نشر فى الوقائع المصرية يقضى بإسقاط الحكم الذى صدر ضده، وتم الإفراج عنه.

 

بينما يقول صلاح نصر في كتابه "عملاء الخيانة وحديث الإفك" وهو كتاب صدر في عام 1975 إن مصطفى أمين جاسوس بالفعل، وشرح بالتفصيل علاقة الصحفي الشهير مصطفى أمين بالمخابرات الأمريكية.

 

وأشار نصر في كتابه إلى جهاز مكافحة التجسس كان يحتفظ بملف لـ«مصطفى أمين» حول علاقته بالمخابرات الأمريكية حتى من قبل ثورة يوليو 1952.

 

 

لكن أمين، وفقاً للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، في كتابه «بين الصحافة والسياسة»، لم يجرؤ على رفع دعوى بعد خروجه لتبرئة ساحته من تهمة التخابر ضد مصر رغم أنه ملأ الأجواء بالحديث عن تعرضه للتعذيب أثناء استجوابه من رجال صلاح نصر أو في سجنه.

 

ولم يرد مصطفى أمين كذلك على ما قاله هيكل بشأن تمويل الـCIA له ولأخيه على أمين لإنشاء «أخبار اليوم» منتصف الأربعينيات من القرن الماضى، السادات تعمد توقيع قرار الإفراج الصحى عنه وسط مجموعة من قرارات رئاسية سيادية أخرى بالإفراج عن عدد من الجواسيس الإسرائيليين والأمريكيين في إطار عملية تبادل الأسرى حينها.

 

"مصطفى أمين كان كاتباً عظيماً وسيبقى كذلك، وهو من العلامات البارزة في الإعلام المصرى والعربى.. وكانت له شخصية محببة للجميع.. وإن كانت له سقطة وحيدة وهى تعامله مع المخابرات الأمريكية وقبوله التجسس ضد بلده مصر" هكذا قال عنه الفريق محمد رفعت جبريل، رئيس جهاز المخابرات العامة الأسبق، الشهير بـ"الثعلب".

 

وبحسب "الثعلب" في حوار سابق لـ"المصري اليوم" فإنه هو من سجل لقاءات مصطفى أمين مع مندوب الـCIA، موضحا أنه في الحقيقة قد لا يستطيع إطلاق مصطلح جاسوس عليه بمعنى الكلمة، ولكن الاتصال بعدد من ضباط المخابرات الأمريكية المقالين في مصر والاجتماع بهم سراً هو ما يقربنا كمحترفين لهذا المعنى.

 

وتابع :"قمنا بتسجيل اجتماعاته هذه بالصوت والصورة، وهى تتضمن إعطاءه بعض المعلومات الخطيرة، وهو ما يشتهر في عرف العمل الجاد في المخابرات بـ«التجسس» حتى لو تم هذا بغطاء أنه صحفى، أو ادعائه أنه مكلف من الرئيس عبدالناصر بإتمام هذه الاتصالات".

 

وعن موقف "عبد الناصر" من هذه المعلومات قال "الثعلب" إن عبدالناصر أنكر ذلك في حين تكليفه لأمين بإجراء هذه الاتصالات، وللتاريخ، يجب أن نقول إنه في حال صحة ادعاء مصطفى أمين أنه أجرى الاتصالات بتكليف من عبدالناصر، فهنا يكون موضوعاً آخر.. وهو أن المؤبد الذي عوقب به في عنق الرئيس الراحل.

 

وفي في 27 يناير 1974، أصدر الرئيس الراحل أنور السادات قراراً بالعفو الصحى عن الكاتب الصحفى مصطفى أمين بعد قضائه 9 سنوات في السجن بتهمة التخابر لصالح وكالة المخابرات الأمريكية «CIA» ضد مصر.

 

وعقب خروجه مباشرة جمع الكاتب الكبير مجموعة من المقالات التي كتبها في زنزانته في كتاب أصبح شهيراً فيما بعد وسماه «سنة أولى سجن» وأعقبه بسلسلة من الكتب عن حياته خلف زنازين عبدالناصر والسادات.

 

"الخير والحب وعيد الأم"

 

وإلى جانب انشغاله بالعمل الصحفي والسياسة، كان لـ"التوأمان" نصيبهما من العمل الخيري، إذ عكفا على العديد من النشاطات الخيرية والاجتماعية، فنفذ الشقيقان أمين مشروعاً خيرياً أطلقا عليه "ليلة القدر"، كما كانا صاحبا الفضل في ابتكار فكرة عيد الأم وعيد الأب وعيد الحب.

 

وبدأ مشروع "ليلة القدر" في 15 فبراير 1954 بمقال نشره مصطفى أمين في أخبار اليوم جاء فيه " في قلب كل إنسان أمنية صغيرة تطارده في حياته وهو يهرب منها إما لسخافتها أو لارتفاع تكاليفها، فما هي أمنيتك المكبوتة؟، أكتب لي ما هي أمنيتك وسأحاول أن أحققها لك، سأحاول أن أدلك على أقصر الطرق لتحقيقها بشرط ألا تطلب مني تذكرة ذهاب وإياب إلى القمر".

 

وحقق هذا المشروع الكثير من النجاح حيث انهالت على الجريدة العديد من الخطابات، وتم تلبية طلبات العديد من أصحاب الاحتياجات، وتوسع هذا المشروع بعد ذلك وتفرعت أنشطته.

 

جائزة "مصطفى وعلي أمين"

 

أنشأت جائزة مصطفى وعلى أمين الصحفية، والتي تعتبر بمثابة التتويج الحقيقي لمشاعر الأب الذي يحتضن أبنائه ويشجعهم ويحفزهم على مزيد من النجاح في بلاط صاحبة الجلالة.

 

ولم يقتصر هذا التكريم على الصحفيين بل امتد للمصورين ورسامي الكاريكاتير وسكرتارية التحرير الفنية وأيضا الفنانون، ومن الفنانين الذين حصلوا على جائزته فاتن حمامة ويحيى الفخرانى ونور الشريف وعبلة كامل ويحي العلمي وعمار الشريعى وغيرهم.

 

الحياة الشخصية

 

تزوج مصطفى وأنجب ابنتين هما "رتيبة" والتي أسماها على اسم والدته، و"صفية" واسمها على اسم السيدة صفية زغلول، والتي كان يعتبرها بمثابة الأم الثانية له حيث نشأ وترعرع هو وشقيقه في منزلها وفي ظل رعايتها لهما، وقد عملت صفية بالصحافة أسوة بوالدها.

 

وفي سجنه كان مصطفى أمين يكتب إلى ابنته "صفية" العديد من الرسائل وعلى الرغم من القسوة والمعاناة التي كان يعانيها في سجنه إلا أن رسائله كانت مفعمة بالتفاؤل، فحينما رفضت إدارة السجن مده بالأدوية أو نقله للمستشفى للعلاج، كتب لابنته قائلاً إن حالته المعنوية عالية وأنه كلما توالت عليه الضربات يكون في أحسن حالاته، وأن الأزمات والمحن تجدد شبابه.

 

قامت ابنتيه رتيبة وصفية بزيارة إلى السيدة جيهان السادات مع السيدة أم كلثوم أملاً في التوسط من اجل الإفراج عن والداهما وذلك عام 1972، ولكنهم لم يوفقوا في الإفراج عنه فوراً، ولكن قام السادات بإصدار قرار العفو عنه بعد هذه الزيارة بثلاث سنوات وبعد نصر أكتوبر.

 

النساء في حياته

 

مثلت النساء في حياة "مصطفى أمين" محطات فارقة في مشواره الصحفي، أثرن في فكره ومعقتداته، وتعرض أيضا للكثير من الشائعات إثر اقترابه منهن، منها شائعة بزواجه من "شادية"، وأخرى بـ"أم كلثوم"، إلا أنه كان يؤمن بأهمية النساء فهو أول من آمن بمصطلح الحب، ونادى بعيد الحب المصري.

 

كانت شائعة زواج "مصطفى أمين" من شادية التي نفاها هو بنفسه، ترددت بعدما كتب لها فيلم "معبودة الجماهير"، الذي حقق نجاخا ساحقا حينها، ولكن بعد وفاة "شادية" خرجت «ناهد شاكر» ابنة أخيها لتؤكد على زواج عمتها «شادية» 4 مرات، آخرها كان بـ«مصطفى أمين»، ولكن هذا الأمر لم يكن معروفًا إلا بين المقربين منهما.

 

ففي لحظة إلقاء القبض على الصحفي الراحل تم العثور على وثيقة زواجه من شادية، بحسب ابنة أخيها، التي أكدت على أنه قبل أي شيء كانت تربطهما علاقة صداقة وطيدة، ونوع من التبادل الثقافي والفكري، ما ساعد في إثراء فكر «الدلوعة»، وأنه كان أحب أزواجها إليها، وفقا لـ"ناهد".

 

وكانت من الشائعات التي طالته أيضا ما تردد حول علاقة "مصطفى أمين بأم كلثوم"، والتي تسببت فيها  تصريحات رتيبة حفني مغنية الأوبرا وعميدة معهد الموسيقى العربية في القاهرة، التي أكدت على زواجهما، ولكن خرج «أمين» عبر أحد البرامج التليفزيونية نافيًا علاقته بكوكب الشرق، مؤكدًا على أنها مجرد صديقة مقربة ليس أكثر، ولعل ما أثار هذه الشكوك مدافعة «أم كلثوم» عن الراحل أثناء فترة سجنه.

 

 

وهكذا كانت حياة "مصطفى أمين" تزدخر بالكواليس والإبداعات والإنجازات وكذلك الاتهامات والشائعات، إلا أنها بعيدا عن كل ذلك تركت آثرها في العمل الصحفي حتى الآن، فكانا التوأمان بمثابة مدرسة صحفية باقية عبر العصور، حتى جاء يوم  13 إبريل 1997،  لتنتهي حياة "مصطفى أمين" ويلحق بتوأمه والذي توفى عام 1976.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان