رئيس التحرير: عادل صبري 10:53 مساءً | الأحد 21 أبريل 2019 م | 15 شعبان 1440 هـ | الـقـاهـره °

بعد عزل البشير.. السودان تاريخ سياسي حافل بالثورات والانقلابات

بعد عزل البشير.. السودان تاريخ سياسي حافل بالثورات والانقلابات

الحياة السياسية

جانب من التظاهرات في السودان

بعد عزل البشير.. السودان تاريخ سياسي حافل بالثورات والانقلابات

سارة نور 11 أبريل 2019 16:07

بعد تظاهرات عمت شوارع السودان وميادينها استمرت نحو 4 أشهر، عزل الجيش السوداني الرئيس عمر البشير ووضعه تحت الإقامة الجبرية، ووسط حالة الترقب أعلنت القوات المسلحة السودانية عن اعتماد فترة انتقالية لمدة عامين.

 

بينما يعتصم الآلاف أمام مقر القيادة العامة للجيش في العاصمة السودانية الخرطوم منذ 5 أيام، أعلنت أيضا أن الفترة الانتقالية سيديرها مجلس عسكري لإدارة شؤون البلاد لمدة عامين، كما فرضت حالة طوارئ لمدة 3 أشهر.

 

قبل سويعات قليلة من هذا البيان، أعلن تجمع المهنيين وتحالفات المعارضة في السوادن، اليوم الخميس، رفضهم لأي "انقلاب عسكري" جديد يعيد إنتاج أزمات السودان، مؤكدين أنه لايمكن حل الأزمة من خلال انقلاب عسكري. 

 

القوى السياسية أوضحت في بيانها أن "حكم عمر البشير جاء بانقلاب عام 1989وهو سبب الأزمة المزمنة للسياسة السودانية"، مشددين على إنه "لا حل للأزمة سوى بتسليم السلطة لحكومة مدنية يتم التوافق عليها وفق ميثاق إعلان الحرية والتغيير".

 

تخوفات القوى السودانية واضحة في بيانهم، ربما تعود إلى  التاريخ السياسي الحافل بالعبر و الدروس حيث ثورات لا تحقق أهدافها في العادة رغم تضحيات الثائرين يرافقها انتقال غير سلس للسلطة تؤول في الغالب للذي يمتلك قوة السلاح.

 

نظام الفريق عبود 

في عام 1956، بعد إعلان استقلال السودان رسميا عن بريطانيا والانفصال عن مصر، تولى الحكم إسماعيل الأزهر رئيس الحزب الاتحادي الفائز في انتخابات 1953، لكن حكومته استمرت نحو 7 أشهر فقط بعد خلاف مع الميرغني زعيم الطائفة الختمية التي كانت تدعم الأزهري.

 

وإثر ذلك تولى الحكم حزب الأمة المدعوم من طائفة أنصار المهدية، وأصبح عبدالله خليل رئيس وزراء لمدة عام، ولكن حصل تقارب بعد بين الأزهري و الميرغني زعيم الختمية  فخاف حزب الأمة ومن ثم تآمر مع قائد الجيش إبراهيم عبود وسلمه السلطة في نوفمبر 1958م بحجة إنقاذ السودان من مؤامرة مصرية ترمي إلى انضمام السودان للجمهورية العربية المتحدة.

 

في 17 نوفمبر 1958، أعلن الفريق عبود تعطيل العمل بالدستور وحل البرلمان وإلغاء الأحزاب وشكل حكومة عسكرية تتكون من 12 وزير ليس بها أي عضو مدني على الإطلاق وسمي هذا الانقلاب ثورة 17 فبراير. 

 

لكن عبود لم يستمر طويلا في الحكم رغم كونه موال للغرب وحصل على منح وقروض كثيرة إلا أنه فشل في التعامل مع مشكلة جنوب السودان وحاول صهر المكونات العرقية المختلفة في الشمال والجنوب في بوتقة واحدة.

 

فأصدر قرارات بإلزامية تعلم الجنوبيين للغة العربية وإدخالهم في الإسلام قسرا وطرد المسيحيين الأجانب من جنوب السودان ومحاولة إدخال زعماء القبائل الجنوبية في الإسلام إما بالقوة أو بالإغراء بالمال، ما شكل أزمة كبرى، ما جعل أحد الآباء يلجأون إلى حكومة الاحتلال البريطاني في أوغندا.

 

ثورة أكتوبر 64

بدأت شرارة ثورة أكتوبر 1964من طلاب الجامعة، تحديدا من ندوة المعالجة الدستورية لمشكلة الجنوب حاضر فيها حسن الترابي إن حل مشكلة الجنوب يكمن في حل مشكلة الشمال، ويكمن الاثنان معا في زوال الحكم العسكري الحالي وقيام حكم دستوري مؤسس على الخيار الديمقراطي للشعب. 

 

لم يحتمل نظام عبود هذا الحديث فهاجمت القوات الأمنية الجامعة وفرقوا الطلاب الذين ازداد غضبهم من دخول قوات الشرطة للحرم الجامعي، واتفقت المعارضة الإسلامية واليسارية على مظاهرة في الجامعة ترفع مذكرة لمدير الجامعة عن الاعتداء على الحرم الجامعي، ومذكرة إلى رأس النظام الفريق إبراهيم عبود تطالب بالديمقراطية وأخرى لوزير الداخلية.

 

لكن  الشرطة  اعتقلت أعضاء الإتحاد الذين قدموا مذكرة لوزير الداخلية، ثم ذهبت قوات الأمن إلى داخلية طلاب الجامعة لمنع أي تجمعات معادية للنظام، فاشتبكوا مع الطلاب، فخرجت رصاصة قتلت الطالب أحمد القرشي.

 

من هنا اشتعلت الثورة  في 24 أكتوبر فبدأت موجات التضامن مع طلاب الجامعة ثم تضامن معهم طلاب المدارس الثانوية، وتضامن معهم ممثلو النقابات في السكة الحديد والمحامين و الأطباء والمهندسين ونزل مواطنون غير مسيسون وانضموا للمظاهرات. 

 

على إثر الحراك، في 28 أكتوبر 1964، أصدرت مجموعة من ضباط الجيش سموا أنفسهم بالضباط الأحرار ليحيي الشعب السوداني على الثورة، فحاول إبراهيم عبود إنقاذ نفسه بالدعوة لحوار وطني وتشكيل حكومة انتقالية يكون هو جزءا منها.

 

وبعد 9 أيام من إندلاع الثورة تم اختيار سر الختم الخليفة كرئيس للوزراء وكان يعمل في وزارة التربية والتعليم كمساعد للوزير، بعدها حاولت مصر تدبير انقلاب عسكري فألقى عبود القبض على العسكريين، لكن تم اتهامه من قبل الأحزاب باعتقال الضباط الذين يناصرون الثورة، فأفرج عنهم. 

 

 بعدها في نوفمبر 1964، اعتقل عبود ضباط في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لكن الجيش ثار ودعا الششعب والأحزاب للنزول في الشوارع لحماية الثورة وبالفعل تمت دعوة الناس من خلال الإذاعات وتوحدت جميع الأحزاب والحركات واحتشد الناس في الميادين.

 

وفي اليوم 15 نوفمبر 1964م، وبعد 3 أسابيع من الثورة، سقط الفريق عبود واستقال من منصبه وتسلم المدنيون السلطة كاملة وعاد الجيش إلى ثكانته، وانتصرت الثورة  بشكل مؤقت بسبب وحدة الصفوف .

إنقلاب جعفر النميري

لكن هذا الأمر لم يدم طويلا، إذ فاز حزب الأمة التابع لجماعة الإخوان المسلمين في انتخابات في 1965، وحدث صراع سياسي عميق بين الإخوان والشيوعيين وتم حظر الحزب الشيوعي السوداني فتحالف الشيوعيين  مع ضباط الجيش، ما أدى إلى انقلاب عسكري بقيادة جعفر النميري في 25 مايو 1969.

 

بعد نحو 16 عاما من حكم جعفر النميري، خرجت مظاهرة في 26 مارس 1985  لطلاب جامعة أم درمان الإسلامية، تهتف ضد زيادة أسعار السكر والبنزين، التي فُرضت من قبل المقرضين الدوليين وهاجم المتظاهرون محلات تجارية وجمعيات تعاونية.

 

وانضم للتظاهرات بعد ذلك فئات الشعب خاصة طلاب المعاهد و الجامعات وهاجم المتظاهرون مقرات عدد من الشركات الغربية في العاصمة، وأضرموا فيها النيران، بينما لم   تتعامل الشرطة مع المظاهرة بقسوة، ربما لأن ضباط الشرطة كانوا على قناعة أن الوضع الاقتصادي أصبح صعبا.

 

تظاهرات السكر المر 

لكن عدد من ضباط الشرطة أطلقوا أعيرة نارية تسببت في قتل 5 متظاهرين وكان الوضع محتقنًا جدًا، في الأُناء سافر النميري  إلى أمريكا  للعلاج كما قيل، فزاد هذا من غضب الجماهير التي رأت أن الرئيس يُعالج في أمريكا في ظل هذه الظروف الصعبة.

 

وامتلأت المستشفيات بجرحى التظاهرات، فأضرب الأطباء احتجاجًا على القمع، وشكلت نقابة المحامين لجانا للدفاع عن المعتقلين على خلفية التظاهرات، بينما أصدر الحزب الحاكم بيانًا اتهم فيه الإخوان المسلمين والشيوعيين بالدعوة للمظاهرات واستخدام المشردين في أعمال التخريب.

 

ثورة إبريل 85

غير أن التمرد بدأ يظهر في صفوف الشرطة و انتشر بيان لضباط شرطة يعلنون رفضهم للقمع، وأنهم مع جماهير الشعب، وأنهم مع إسقاط النظام الديكتاتوري وكان لإضراب الأطباء والمحامين دور مؤثر في إرباك النظام الذي لم يعرف كيف.

 

وبعدما هاجمت القوات الأمنية جامعة الخرطوم، واعتقلت رئيس اتحادها مع عدد من معاونيه، توحدت المعارضة والمنقابات مؤتمر حاشد في نادي الخريجين للتباحث حول وضع البلاد والتخطيط لكسر النظام، واتفق المجتمعون في نادي الخريجين في الأول من أبريل 1985 على تنظيم مسيرة حاشدة يوم 3 أبريل .

 

احتشد الألاف في تظاهرة 3 إبريل، وعندها قرر عبد الرحمن سوار الذهب القائد العام للقوات المسلحة في 6 إبريل أنه لم يعد هناك وقت للحياد،  وصدر البيان رقم 1 معلنًا أن القوات المسلحة في حالة استعداد، ثم صدر البيان رقم (2)، والذي نص على حل مؤسسات دولة جعفر نميري وتعطيل الدستور القائم وفرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية وقيام الانتخابات العمومية خلال عام.

 

وفى سوار الذهب بعهده وأجرى الانتخابات في ميعادها في سابقة  هي الأولى من نوعها في أفريقيا والعالم العربي، إذ من الغريب أن يتخلي قائد انقلاب عسكري عن السلطة طواعية دون أن أي مقابل سياسي أومادي خاص .

 

فاز في الانتخابات فيها حزب الأمة الجديد بزعامة الصادق المهدي، متقدما على غيره من الأحزاب وتولى رئاسة مجلس الوزراء، بينما جاء الحزب الإتحادي الديمقراطي في المرتبة الثانية الذي كان يتزعمه أحمد الميرغني وتولى رئاسة مجلس رأس الدولة، فيما خرج منها حزب الجبهة الإسلامية القومية وزعيمه حسن الترابي ليتصدر صفوف المعارضة في البرلمان. وسلم سوار الذهب السلطة إلى الحكومة المدنية الجديدة.

 

لكن هذه الفترة اتسمت بعدم الاستقرار، حيث تم تشكيل خمس حكومات ائتلافية في ظرف أربع سنوات، ووقع الحزب الإتحادي الديمقراطي الذي خرج من الحكومة الائتلافية اتفاق سلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان التي حققت انتصارات عسكرية على الأرض في الجنوب .

 

ثورة الإنقاذ

ونص الاتفاق على وقف لإطلاق النار إلى جانب رفع حالة الطواريء بغية تمهيد الطريق أمام مؤتمر دستوري عام، على أن يسبقه تجميد العمل بالعقوبات الحدية (الشريعة الإسلامية أو قوانين سبتمبر كما كان يطلق عليها) أواستبدالها بقوانين جديدة مماثلة.

 

الهزائم المتلاحقة التي منيت بها القوات الحكومية في جنوب السودان كانت سببا في تذمر القيادة العامة للجيش التي عقدت اجتماعا وتقديمها مذكرة لرئيس الحكومة الصادق المهدي، مطالبة أياه بالعمل على تزويد الجيش بالعتاد العسكري الضروري، أو وضع حد للحرب الدائرة في الجنوب.

 

وازدادت العلاقة بين الجيش وحكومة الصادق المهدي تدهورا بعد توجيه الفريق فتحي أحمد علي القائد العام إنذارا إلى الحكومة وطالبها بالاعتدال في مواقفها السياسية ورفع المعاناة عن كاهل المواطنين

 

وفي العام 1989 قامت الجبهة الإسلامية بانقلاب عسكري تحت اسم ثورة الإنقاذ الوطني، في بداية الانقلاب لم يكن معروفا توجه الانقلابين السياسي ثم ظهرت الجبهة الإسلامية بزعامة حسن عبد الله الترابي من وراءه، و هي التي صعدت عمر البشير إلى الحكم، الذي يثور عليه حاليا المتظاهرين في السودان.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان