رئيس التحرير: عادل صبري 12:44 صباحاً | الاثنين 23 سبتمبر 2019 م | 23 محرم 1441 هـ | الـقـاهـره °

عقدة «السمنة»..حكاية فتيات تحدين سخرية المجتمع

عقدة «السمنة»..حكاية فتيات تحدين سخرية المجتمع

الحياة السياسية

سلمى تتحدى السمنة

عقدة «السمنة»..حكاية فتيات تحدين سخرية المجتمع

أحلام حسنين 22 يناير 2019 12:42

أن تكون فتاة ذات وزن زائد في مجتمع لا يبالي فيه البعض بما يلفظ من كلمات على سبيل المزاح والسخرية، فهي حتما تصارع موجات متلاحقة من الاكتئاب قد تدفعها إلى أخذ خطوات قد تودي بحياتها، ربما أهون عليها من أن تحيا بين أناس يضطهدونها فقط لأنها "سمينة".

 

كانت "سلمى سامي" في الثانية والعشرون من عمرها حين قررت أن تخضع لعملية قد تفارق الحياة بعدها، بعدما عانت كثيرا من الإهانات والسخرية التي تتخلل مسامعها وتلاحقها حيثما كانت، لا لشيء سوى أنها فتاة "تخينة"، فكان ذلك كفيلا لأن ينبذها أصحاب العمل والعرسان أحيانا، إلا أنها أبت ألا تكون "ضحية" لهؤلاء الذين أفقدوها الثقة في نفسها، وقررت أن تتحدى الجميع.

 

«سلمى» تواجده التحدي

 

دخلت "سلمى" في عزلة اختيارية، ابتعدت عن الجميع واختلت بنفسها، استرجعت كل كلمة كانت تنزل على صدرها كالسيف يمزقها من الداخل، عليها إذا أن تأخذ قرارا حاسما كي تتخلص من السخافات التي تتعرض لها وإن كلفها ذلك حياتها، لم يكن أمامها سوى أن تخضع لعملية "تحويل مسار معدة" نسبة النجاة فيها ضعيفة للغاية.

 

في هذه الأثناء كان يتساءل البعض عن غياب "سلمى" بينما هي كانت "طفشانة" من الدنيا، سئمت كل ما تعرضت له من أذى فقط لـ"لإني بنت تخينة عايشة في مصر، عملت العملية مش عشان أكسب صحتي، ولا لإني عاوزة أبقى رشيقة، عملتها عشان أخلص من كمية السخافات اللي بقابلها يوميا"، حسبما تقول "سلمى".

 

فتاة جميلة ترتدي فستان "فوشيا" ممشوقة القوام تقف تضع يديها على خصرها وتميل برأسها قليلا، من هذه؟، هي نفسها تلك التي تبدو في الصورة المجاورة فتاة سمينة للغاية تجلس على الأرض وترتكن إلى الحائط، الفارق الوحيد بين الصورتين 60 كيلو خسرتهم "سلمى" التي كاد البعض لا يصدق أنها هي لولا أن ملامح وجهها واحدة لم تتغير.

 

غابت سلمى عن الجميع وقد كان وزنها 136 كيلو، ثم عادت إلى مجتمعها بعد فترة من الوقت،  وقد أصبح وزنها 76 كيلو فقط، هنا استطاعت أن تواجه الجميع وتخبرهم عن صراختها التي كانت تطلقها في صمت، لتقول لمن كان يسخر منها وغيرها "كفاية تنمر".

 

معظم الفتيات يعانين من التحرش اللفظي وهن يسيرن في الطرقات أو يستقلن وسائل المواصلات، وبالتأكيد يتأذين من وقع هذه كلمات المتحرشين على أنفسهن، ولكن ماذا إذا كانت فتاة وسمينة أيضا؟، هنا يزداد يصبح الأذى ضعفين، لأنها ستواجه كلمات ساخرة عنصرية تفقدها الثقة في نفسها وتنتقص من شأنها، كما تخبرنا "سلمى".

 

تروي الفتاة العشرينية :"في إحدى ليالي رأس السنة كان الطريق متزدحم للغاية وكنت أقف في إشارة وكان يمر بجواري شخص يستقل سيارة وسمعته يقول لي "يلا يا عجلة"، يقصد أنها هي من تعطل الطريق لأنها سمينة كثيرا، بادلته الرد بسباب وشتائم كدفاع عن نفسي ولكني عدت إلى المنزل أشعر وكأني منكسرة من الداخل".

 

عادت سلمى إلى المنزل، دخلت غرفتها وراحت تسترجع كل المواقف التي تعرضت لها بسبب "تخنها"، تذكرت كم مرة لم تُقبل في اختبارات التقدم للوظائف، لا لأنها ليست كفء أو أهل للوظيفة، وهي خريجة كلية الإعلام، ولكن لأنها "تخينة"، تضيف:"الترقيات والتعيينات بقت بالتخن والرفع، تلاقي ناس بتترقى في شغلك علشان أجسامهم حلوه وواجهة لطيفة مع أنهم ككفاءة بطيخ".

 

تذكرت سلمى حين كانت تنزل الأسواق لشراء الملابس:"وأنا داخلة أي محل من على الباب يقولولي مفيش مقاسك، مرة بنت قالتلي لا أنت ممكن تلاقي مقاسك في محل الحوامل اللي جمبنا، ومرةركان عندي مناسبه مهمه في يوم ونازلة اشتري فستان ودخلت محل فماسكة فستان ببص عليه لسه، اللي شغالة في المحل قالتلي لأ مش هيخش فيكي، قولتلها طب أنا هقيسه بقى قالتلي هيتقطع طلبت المدير جه واعتذرلي وقالي اتفضلي قيسيه دخلت البروفه فضلت اعيط ورميته عالارض ومقيستوش اصلا".

 

منذ أن كانت "سلمى" صغيرة وهي طفلة في المدرسة تعاني بسبب سمنتها التي حرمتها عروض الرقص التي تحبها كثيرا، كبرت وزادت معاناتها، كان يناديها الكثير بـ"مدام" بينما كانت هي لاتزال "صبية"، تسمع سائق الميكروباص يناديها "يا أبلة ما تخدي الكرسيين اللي قدام"، حرمت نفسها لسنوات طويلة من الطعام، وكانت تعيش على "أكل الريجيم" دون جدوى.

 

كبرت "سلمى" وسارت عروسا في سن الزواج يتقدم لها الخطاب، أحدهم تقدم لها قبل موعد إجرائها العملية بأسبوعين فقط، كان أصلع بـ"كرش" كما تصفه "سلمى"، ورغم ذلك راح يهمس إليها :"إنت مبتفكريش تخسي؟"، فضلت حينها أن تصمت ولا تجرحه بكلمات مماثلة كما كان بإمكانها أن ترد عليه :"ما تبص لنفسك".

 

تذكرت سلمى، التي سارت الآن أم لطفلين، كلمات كثير من النساء اللاتي يحدثونها عن وصفات التخسيس :"جربتي الترمس المطحون، طب جرتبي تلفي الورق الحراري على بطنك، جربتي وصفة عين العفريت"، وصديقاتها حين كانوا يرون فتاة سمينة في التلفزيون فيقولوا لها "إلحقي دي شبهك".

 

"إنت شفتتطي الهوا" جملة كهذه كانت تتخلل مسامع "سلمى" كثيرا بينما هي تسير في الطرقات أو تدخل إلى أي مكان، تهرب من عالمها الواقعي فتدخل إلى عالم مواقع التواصل الاجتماعي، تقلب على صفحات الفيس بوك، فيقابلها تعليقات ساخرة على فيديو لفتيات سمينة "هو الدب القطبي ظهر امتى".

 

حتى هي كانت تسخر من نفسها أحيانا "كنت بتريق على نفسي وأقعد أقول الفراشة راحت الفراشة جت، قبل ما حد يتريق عليا".

 

مواقف كثيرة سيئة تعرضت لها منذ الطفولة حتى بعدما سارت في العشرين من عمرها، وقفت لبرهة تتذكر كيف كانت فتاة تثق في نفسها كثيرا، تتعجب لمجتمع استطاع أن يهزها بسهولة، اكتشفت أنها كانت تعاني قهرا تكبته طوال سنوات عمرها.

 

 ظلت "سلمى" لثلاثة أيام متتالية لا تفعل شيء سوى أن تبكي كثيرا، حتى قررت أن تجري عملية "تحويل مسار المعدة"، رغم أنها سمعت عن أشخاص ماتوا أثناء إجرائها، وآخرون تشوهت أجسادهم، فهي من أخطر عمليات الجهاز الهضمي، ومع ذلك أصرت عليها "كده كده مكنتش عايشة".

 

مضى 4 أعوام على العملية، الآن سلمى تواجه المجتمع وتخبره كيف كان قاسيا عليها وعلى كل فتاة سمينة، وكل من فيه شيء لا يعجب الآخرون، قررت أن تنشر قصتها في تحدي الـ 10 سنوات، لتعطي الفتيات أملا تحفزهن ألا يفقدن الثقة في أنفسهن بسبب "التنمر".

 

تقول سلمى لـ"مصر العربية" بعد أن نشرت القصة وجدت تفاعلا كثيرا معي، ولكني قبل العملية لم أجد سوى السخرية والتهكم، وجدت في التعليقات فتيات كثيرة يعانين مثلما كنت أعاني، جمعينا نتعرض للتنمر بأشكال مختلفة، ربما لأن أحدهم أسمر اللون، أو نحيف أو سمين، أو غير ذلك، نحن نصرخ في صمت من مجتمع لا يبالي بما يقول.

 

فسخ الخطبة.. «تخينة»

 

"ريم" هي أيضا خضعت لعملية "التدبيس" حتى تتخلص من كم السخرية التي تواجهها، بعد أن عاشت في اكتئاب لسنوات طويلة منذ أن كانت طفلة، كانت تكره نفسها كثيرا، رغم أن سمنتها وراثية لا ذنب لها فيها، حتى أنها قضت سنوات عمرها تطبق وصفات الرجيم.

 

"كنت بسمع كلام كتير يوجعني وعمر ما حد حس بوجعي رغم إني شكلا جميلة بس مكنش حد بيبص غير لجسمي" تقولها ريم، وهي تتذكر حين خٌطبت لأول مرة وكانت حماتها تتحدث عنها في غيابها وفي وجه أمها وأبيها دون أن تراعي مشاعرهم وتقول :"اللي زيها عمره ما هيخلص بسبب تخنه"، حتى فسخت الخطبة، فازدادت كرها لنفسها وكل شيء.

 

مرت الأيام وتقدم لخطبتها شاب آخر يُحبها كما هي بوزنها الزائد، ولكنها قررت أن تجري عملية "التدبيس" حتى تغير من حياتها وتحافظ على صحتها والأهم من ذلك ألا تسمع مرة آخرى مثل هذه الكلمات التي كانت كالنار تحرق قلبها، ولكن لم تنجح العملية وانتقص وزنها بنسبة ضئيلة للغاية.

 

"كنت بموت فيها ومكنتش متوقعة إني هقوم منها واتجوزت ويشاء عوض ربنا عليا إني أحمل في أول أسبوع جواز، واتخن أكتر في الحمل، وعمرى ماحسيت بلحظة نفور أو رفض لجسمى فيعيون جوزى للحظة واحدة، واللى قالت عليا إنى مش هخلف عشان جسمى، هى اللى جتلى بعد كده وقالتلى سامحينى أنا ظلمتك وكان وقتها معايا بنت وولد وكمان، ابنها طلع عنده مشاكل ف القلب ملوش جواز أصلا".

 

«ماما بتتكسف تمشي معايا»

 

حين تسمع الانتقاد والسخرية من الآخرين والغرباء هي بالتأكيد كلمات قاسية على النفس، ولكن حين يأتي ذلك من الأهل والأقارب فيزداد وقعها وألمها، هذا ما حدث مع "قمر"، الفتاة العشرينية، التي باتت تحبس نفسها في حجرتها حتى لا تواجه أحد حتى أفراد أسرتها.

 

تقول قمر :""ماما بتقولي أنا بتكسف أمشي معاكي في الشارع"، حين سمعت هذه الكلمات من أمها، دخلت الحجرة وبكت كثيرا، تمنت لو أن تجري عملية أو أي شيء يخلصها من هذا الحمل على عاتقها، فهي لم تعد قادرة على مواجهة نفسها أو أهلها وأصدقائها.

 

فضلت "قمر" أن تصبح وحيدة في عالمها أفضل من أن تتعرض للسخرية و"التريقة" من أقرب الناس إليها، الذين يعلمون جيدا أنها تحاول أن تفقد وزنها ولكنها لا تستطع إلى ذلك سبيلا، تتمنى لو أن تسمع ذات مرة كلمة حلوة طيبة تجعلها تشعر بالثقة في نفسها.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان